كلما لاحت في الأفق بوادر تهدئة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بحث الإسرائيليون عن ذريعة لاستئناف عدوانهم على الفلسطينيين، وكأن حكومتهم تريد أن تظل قوات الاحتلال في قمة حيويتها ونشاطها العدواني حتى لا تصاب بالملل من الهدوء!

وأمس، استأنفت القوات الإسرائيلية عدوانها على قطاع غزة، وكانت ذريعتها المعتادة البحث عن شبكة أنفاق للمقاومة الفلسطينية. وكانت حصيلة البحث استشهاد أربعة فلسطينيين، فيما أصيب عشرة آخرون في توغل بمنطقة «عبسان» شرق خانيونس جنوب القطاع.

وكانت قوات الاحتلال اقتحمت أول من أمس مدينة ومخيم جنين وبلدات وقرى قباطية وعرابة وكفر راعي وفحمة والرامة، وشنت حملة اعتقالات واسعة طالت 12 فلسطينياً.

مثل هذه الاعتداءات الإسرائيلية، وقعت بينما كانت التوقعات تتزايد بأن هناك اتجاهاً للتهدئة لتهيئة الظروف المناسبة التي تمهد لاستئناف مسيرة السلام، فهل مثل هذه الاعتداءات المتواصلة أو التي تستأنف من حين لآخر، تمهد لإحياء المسيرة السلمية، أم أنها تؤكد أن السلام سيظل وهماً لا أمل فيه؟!

إسرائيل تواصل أو تنشط قواتها بعمليات قصف ومداهمات، وفي الوقت نفسه، تطرح ما تراه من مشاريع تحمل صفة «السلمية»، وهي في الحقيقة مخططات لترسيخ الاحتلال. ويكفي أن نشير إلى الإعلان عن مخطط إسرائيلي جديد روج له الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، فبعد أن تحدث عن السلام طبقاً لخطة قائمة على مبادلة الأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين بهدف الإبقاء على كتل الاستيطان الضخمة في الضفة الغربية المحتلة، كشف الإعلام الإسرائيلي عن اقتراح آخر لبيريز، عنوانه «الأمن مقابل الأسرى».

والخطة تقضي بالإفراج عن ألفي أسير فلسطيني كل عام، مقابل إجراءات ملموسة تتخذها السلطة الفلسطينية على الأرض في مجال الأمن وإدخال إصلاحات في أجهزة فرض القانون والأمن الفلسطينية، معتبرا أن هذه الخطة أفضل بكثير من نقل مناطق إلى الفلسطينيين، ويقول بيريز إن تحرير الأسرى قد يكون له تأثير ايجابي في المجتمع الفلسطيني وبإمكانه إضفاء شرعية لإحياء عملية السلام وللتعاون الأمني مع الجانب الإسرائيلي.

هذا المشروع الذي يراه بيريز من مشاريعه السلمية التي يروج لها، ليذكر العالم بأنه داعية سلام وحامل من قبل لجائزة نوبل للسلام مع شريكه اسحق شامير منذ 13 عاماً، ما هو إلا خطة أمنية مشروطة على حد تعبير النائب مصطفى البرغوثي الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الذي وصف المشروع «البيريزي» بأنه محاولة أخرى للالتفاف على قضايا الحل الدائم ومبدأ إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. فبيريز لم يخف من خلال خطته مآربه بحديثه عن ان إطلاق سراح الأسرى أفضل من إعطاء أراض للسلطة الفلسطينية.

إسرائيل تحاول أن تفرض بالفعل مثل هذا المخطط رغم ما أذيع عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت يرفض مقترحات بيريز، فعندما تشن قوات الاحتلال عدوانها على غزة أو غيرها من مدن الضفة الغربية، فهي تزعم أنها لفرض الأمن، وتغفل أن الأمن الحقيقي لإسرائيل هو أن ترفع يدها عن الأراضي الفلسطينية وتقبل بمبدأ «الأرض مقابل السلام» طبقا للمبادرة العربية السلمية، بدلا من أن تروج لمشاريع وهمية مثل مشروع «الأمن مقابل الأسرى».

إن السلام سيظل وهما، مادامت الدولة العبرية تحتفظ بالأرض وتتشبث ب144 مستوطنة في الضفة الغربية، يسكنها قرابة نصف المليون يهودي، وتجعل من الأربعة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أسرى في قبضة آلتها العسكرية العدوانية.