من يطل على المشهد اللبناني، السياسي والأمني، يُصَب بالإرباك، ويطرح ألف سؤال وسؤال حول ما يجري في هذا البلد.سياسيون وأنصار كل منهم يتمترسون خلف مقولات متناقضة لا يتزحزحون عنها قيد أنملة باعتبار أنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من عقيدتهم الأيديولوجية.
وفجأة تختلف المقاييس باختلاف المعطيات. فأعداء الأمن يصبحون أصدقاء اليوم، وما كان محرما في الماضي أصبح حلالا في الوقت الحاضر، حتى بات السياسيون موضع تندر في المجالس الشعبية التي تعود للاصطفاف وراء هذا الزعيم أو ذاك القائد.
ببساطة لا يمكن فهم ما يجري في لبنان.
فالجيش اللبناني يقوم بمحاصرة مجموعة "فتح الإسلام" في مخيم نهر البارد في شمال البلاد. كل الأطراف السياسية من أكثرية حكومية ومعارضة تدعم دوره، لأن تلك المجموعة لم تفرق بين أبناء الشعب اللبناني من مسلميه ومسيحييه، فكانت جثامين الشهداء من كل المناطق ومن كل الأديان والمذاهب، وتساوى الجميع في التصدي لجسامة ما كانت تخطط له هذه الفئة وقد تحقق نجاح في هذا المجال.
وبعيدا عن نهر البارد، تتوزع القوى وتتنوع الاصطفافات، وتختلط الأوراق حتى إن المتابع للتصريحات السياسية التي ينطق بها المسؤولون في كلتا الجهتين تنبئ بأن الحرب الأهلية على الأبواب، وما على أبناء الوطن المحايدين "وهم قلة" سوى مغادرة بلدهم.
بالأمس كان أمين عام حزب الله حسن نصر الله يتحدث أمام حشد كبير من أنصاره "عبر شاشة تلفزيونية" عن حكومة وحدة وطنية قبل انتخابات رئاسة الجمهورية وقبله حليفه الماروني ميشال عون، ردد نفس التعابير، وما بين الاثنين تحدث خصومهما من الغالبية النيابية وليد جنبلاط ومروان حمادة وسمير جعجع وأمين الجميل جميعهم يرفضون التزامن بين الحكومة وانتخابات الرئاسة.
ويشددون على الاستحقاق الرئاسي ومن ثم تشكيل الحكومة، لكل من الطرفين حساباته، بحيث إن الثقة فقدت بينهما، حتى إن المبادرات التي تقوم بها الدول الشقيقة والصديقة باتت معدومة التأثير لأن الرصاص يطلق عليها قبل أن ترى النور. ونغتال مرة من 14 مارس ومرة أخرى من 8 مارس، حتى بات المواطن اللبناني غير معني بأيام الشهور ولا حتى بالسنوات.
