لم تكن العلاقات الشخصية في أي يوم بعيدة كلياً عن العلاقات السياسية وعوامل التآلف والتقارب حيناً، أو الجفاء وربما المواجهة أحياناً أخرى، بين القادة والسياسيين وزعماء القبائل وغيرهم من أصحاب السلطة وصناع القرار. ففي الماضي لعبت المصاهرة وأواصر القربى، وحتى الجوار الجغرافي، دوراً فاعلاً ومؤثراً في العلاقات بين الأمم والشعوب، سلماً وحرباً على السواء، وما زالت مؤثرة حتى اليوم في العديد من بلدان العالم ودوله.

غير أن اللافت في عصرنا الراهن، أن الدول ذات المؤسسات العريقة في صنع القرار والمشاركة السياسية، أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على مستوى العلاقة الشخصية ومدى الحميمية بين قادتها، لتوثيق علاقاتها أو تخفيف التوترات وحدة المنافسة، والمناكفة أيضاً، التي قد تعتري هذه العلاقات وربما تدفع بها إلى ما هو أبعد من حدود السيطرة والتحكم.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، يبدو الآن من أكثر الرؤساء استخداماً وانجذاباً نحو هذا النوع من العلاقات مع نظرائه في الدول الأخرى، خاصة رؤساء الدول ذات النفوذ والتأثير في مجريات الأحداث الدولية، والتي قد تصطدم أو تتعارض مصالحها مع المصالح الأميركية الساعية للهيمنة واحتكار النفوذ في العالم.

وفي الوقت الذي تواجه فيه الإدارة الأميركية هزيمة سياسية وفشلاً عسكرياً في العراق، وتحديات متزايدة داخلياً وخارجياً على أكثر من صعيد، يبدو أن الرئيس بوش الذي فقد الكثير من حلفائه الأوروبيين تباعاً، من أزنار إلى برلسكوني وصولاً إلى حليفه «الأليف» توني بلير، قد وجد ضالته وبغيته في الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي الذي ينعته بعض الفرنسيين بأنه «ساركو الأميركي».

فبعد أن دعا الرئيس الأميركي نظيره الروسي فلاديمير بوتين الشهر الماضي إلى منزل عائلة «آل بوش»، ولم يؤثر فيه إلى الحد الذي يرضيه، ها هو يدعو الرئيس ساركوزي يوم السبت الماضي إلى منزل العائلة وسط حفاوة بالغة، وان شابها الغياب المفاجئ لزوجة الرئيس الفرنسي وابنيهما، بينما كان «آل بوش» يعدون لحضور جميع أفراد العائلة بمن فيهم أطفالها الصغار، زيادة في الحميمية وتأكيداً لخصوصية اللقاء.

ومن الواضح، من خلال الصور والتصريحات التي بثتها وسائل الإعلام حول هذه «القمة المنزلية»، أن التناغم كان كبيراً بين الرئيسين، أو بين الرئيس وعائلة الرئيس. فقرار الرئيس الفرنسي قضاء عطلته الصيفية في الولايات المتحدة وعلى مقربة أميال من منزل العائلة الرئاسية الأميركية، هو «أمر لا سابق له» على حد تعبير دومنيك مويسي الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية. وقد صرح ساركوزي بعد وصوله إلى «القمة» بقوله «نحن عائلة واحدة، وهذه هي الحقيقة».

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا، ماذا تعني هذه «القمة المنزلية»؟ وما هو تأثيرها وانعكاساتها على منطقتنا العربية تحديداً؟

يمكن القول إن طي صفحة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والإرث الديغولي بصفة عامة، لصالح التقارب إلى حد التطابق بين المواقف والسياسات الأميركية الفرنسية، قد يكون مفيداً بالنسبة إلينا على المدى القصير. فالطبيعة البراغماتية للرئيس الفرنسي الجديد والأزمات الضاغطة على نظيره الأميركي، قد تدفع لنوع من التهدئة في بعض مناطقنا الساخنة.

وقد ظهر بعض بوادر ذلك من خلال إعادة الاهتمام بملف الصحراء الغربية، والتحرك الدبلوماسي الفرنسي تجاه سوريا، وأيضاً من خلال محاولة إحياء «عملية السلام» أو ما تبقى من عظامها الرميمة! خاصة أن مثل هذه التوجهات ضروري لخدمة طموح الرئيس ساركوزي بإقامة منظومة متوسطية، هدفها الأساس حماية إسرائيل وإدماجها في المنطقة، إضافة إلى قطع الطريق على محاولات تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي وتأثيرها في بنيته وهويته «المسيحية».

لكن الأمر على المدى الطويل، وربما المتوسط، لا يدعو إلى مثل هذا التفاؤل، إن لم يكن نذيراً بما هو أسوأ وأشد وطأة في المستقبل. ذلك انه ما لم تكن العلاقات الدولية قائمة على العدل والمساواة بين الدول والشعوب، وهذا أمر مخالف لواقعها وطبيعتها، فان مساعي الهيمنة وطموحات السيطرة واحتكار الموارد والنفوذ، لا يمكن أن تكون إلا لمصلحة الأقوى والأكثر قدرة، على حساب مصالح الشعوب والدول الصغيرة والضعيفة.

وما دام العرب على ما هم عليه من تشرذم وخلافات وتشتيت للموارد والقدرات، فلن يجد الطامعون والطامحون ما يصد مطامعهم وطموحاتهم.. بل وليس لنا أن نطالب الآخرين بأن يكونوا أحرص منا على مصالحنا، ولهم بالتالي أن يفعلوا فينا ما يشاءون.