لا كاتب بلا قارئ يرتبط به، ولا قارئ بلا كاتب يعبر عنه، والكاتب الجيد هو في الأساس قارئ جيد لثقافة مجتمعه، ولآراء قرائه، ولغيره من الكتاب، والقارئ الجيد هو في الأساس كاتب جيد حين لا يكتفي بالوقوف موقف المتلقي لما يقرأ دون عقل يفكر وفكر يعبر، يرفض أو يقبل أو يقدم الرأي البديل.
وكم من القراء هم في الواقع مشاريع كتاب كبار، ولهذا فالإعلام الواعي هو الذي يفتح المجال الواسع لا للكتاب فقط ولكن للقراء أيضا، لأن في هذا تعزيزا لدور الوسيلة الإعلامية في إدارة الحوار العام حول القضايا التي تهم الناس، وصولا إلى الحلول لمشاكل الناس عن طريق عرض الرأي والرأي الآخر.
من هنا أهتم كثيرا بما يصلني من آراء من القراء وأصغي طويلا لما أقرأ لغيري من الكتاب، لأنها تمثل بالنسبة لي بوصلة الاتجاه الصحيح، مهما اختلف القراء والكتاب في معتقداتهم وآرائهم أو منطلقاتهم الفكرية، فذلك في النهاية يعكس الرؤية العامة لمكونات المجتمع الثقافي والإعلامي، ويؤشر على مدى إيجابيته أو سلبيته.
وربما يجب على وسائل الإعلام، التكامل مع دور كليات الإعلام، الاهتمام أكثر بطلبة وطالبات هذه الكليات، خصوصا الذين يقرأون ويكتبون والذين لديهم ما يعطون من نقد أو رأي، ذلك أنهم إعلاميو المستقبل الذين يجب أن نتواصل معهم، ونتحاور معهم، نأخذ منهم ونعطيهم، نرحب بنقدهم ونسعد بثنائهم، لنسلحهم بأدوات التفكير وقيم التعبير وشجاعة النقد والنقد الذاتي.
أقول ذلك لأني أتلقى بالبريد الالكتروني الكثير من الآراء الجيدة من جيل الأبناء، وحين أنصحهم بتوجيه كتاباتهم للصحف ولو للنشر في بريد القراء، يقولون إن الصحف لا توفر المساحة الكافية لآراء القراء، ولا تهتم بها الاهتمام الكافي، ومن هنا أدعو كل الصحف ووسائل الإعلام لأن تخصص صفحة كاملة بعنوان «القراء يكتبون» لتكون مدرسة لتدريب وتخريج كتاب المستقبل.
بالمناسبة، آخر ما تلقيت من رسائل من طالبة في كلية الإعلام عكست لي حاجة الشباب لأن يعرف أكثر ويقرأ أكثر ويفكر أكثر ويكتب أكثر، ثم وهو الأهم لمن يقرأ لهم ويستمع إليهم ويتحاور معهم.
تقول الناشطة الإعلامية المواطنة «ريا المحمودي» في تعليق على مقال «عن الثقافة والسياسية والإصلاح»: «نشكر لك التوضيح الكامل والمفصل للمصطلحات الثلاثة، ووضعك للنقاط على الحروف للقارئ، حيث باتت معاني الكلمات الثلاث ضائعة في أدراج رياح العولمة التي نشهدها في هذا الزمان، ولعل تقاعس بعض وسائل الإعلام والمسؤولين عن توعية الأفراد بحقوقهم وواجباتهم، وبتثقيفهم وإفهامهم المعنى الحقيقي للثقافة، بات أمرا واضحا للعيان.. إذ أن بعض الكتاب يدس السموم في عسل ما يقدمونه لنا كقراء، أناس يدعون الثقافة..
ولكن أي ثقافة ينشرون.. ثقافة المجون، والرقص على الآلات الغربية، بينما تعاني البلاد العربية وتستباح دماء الشعب الفلسطيني الذي يذبح كالقطعان، ويقتل الشعب العراقي كالشياه، ولا رقيب، ويستنصرون بأشقائهم ولا مجيب!
كم ينجح العدو في شق صفوفنا بخلافات وثقافات غريبة عنا وإلهائنا بسخافات وتفاهات تبعدنا عن الهم العربي العام؟!
هذه للأسف «الثقافة» التي تقودنا إلى الهاوية، وتلك هي«السياسة» التي تجرنا وراء الغرب، وهذا هو شكل الدين الذي يريده أعداء الدين، وهذا هو نوع الإعلام الذي يريدون ويدعون أنه «الإصلاح».!
وتطرح في النهاية سؤالا إلى المثقفين والإعلاميين عبرت عنه بأبيات من الشعر اقتبستها من شاعر يتساءل بنفس السؤال، يقول فيها:
«وإعلام ينادي بانحلال يؤمر فيه شيطان مغال..
يريدون الفتاة بلا حجاب تكون حديثهم عند التسالي..
ويبقى الشعب مغزوا بفكر من الغرب استقاه من المقال..
أفي الغرب التقدم والرقي أم الإسلام جاء بكل عال؟
.. سؤال بحاجة إلى إجابة من المثقفين والكتاب من أصحاب الضمائر الحية».