تدور أحاديث وحوارات كثيرة بين المنشغلين بالتربية والتعليم، حول أهمية أن يعرف المعلم الأسباب الكامنة وراء اختيار منهج تعليمي معين دون سواه في تدريس مادة تخصصه، أو حول تكثيف جوانب معينة من المادة وتقليل جوانب أخرى، أو حول تفضيل أساليب محددة في التدريس على أساليب أخرى. والحقيقة أنّ وعي المعلم بمثل هذه الأمور يعدّ أساسيا للنهوض بالعملية التعليمية والأخذ بأسباب تحسينها وتطويرها وتقريبها إلى المتعلمين. فالمعرفة قوّة، وهذه القوّة تزداد أهمية وتأثيرا حين تكون بيد من ينقلها للآخرين في مناخ هيئ لتبادل المعرفة والتزويد بالعلم.
ومن بين الأسئلة التي سمعتها كثيرا من قبل المتخصصين بتعليم اللغة العربية، أو غيرهم ممن يجمعني بهم حوار حول تعليم اللغة وإمكانات تحسينه وتطويره في بلادنا، سؤال عن تدريس الأدب بعامة، والشعر على وجه الخصوص. وكان كثير من المتسائلين يركزون على المراحل الأساسية في التعليم، فيقولون:
هل هناك حاجة لتوسيع رقعة الشعر في الصفوف الأولى ونحن في هذه المرحلة يجب أن نركز على تعليم الصغار مهارات القراءة والكتابة الأساسية؟ كان السؤال في الحقيقة يوحي بتصور عند أصحابه أنّ تدريس الشعر باب من الترف، وأنّنا نحتاج أن نركز على الأساسيات والضرورات، خاصة في زمن تدفق المعلومات والثروة المعرفية التي لا نلمس للشعر فيها مكانا بارزا.
وعلى الرغم من أنني كنت أحاول أن أجد إجابة شافية لهذا السؤال، إلا أنني كنت أشعر دائما بالحاجة إلى البحث في الموضوع، ومحاولة الوصول إلى إجابات تستند إلى أدلة علمية بعيدة عن الإجابات التي تتمسك بأن الشعر غذاء الروح، وأنه يفسح المجال للمتعلم للتحليق في عالم الخيال، والتأمل العميق في الحياة وما يكتنفها من تناقضات، وما يسجله المبدعون من تجارب إنسانية جديرة بالتفكر والتبصر.
فعلى الرغم من اقتناعي بأهمية كل هذه الأسباب لإعطاء الشعر مساحة يراها بعض الناس كبيرة بعض الشيء، إلا أنّ إحساسي بأن مثل هذه الإجابات أصبحت لا تقنع كثيرا من السائلين، خاصة أهل الميدان ممن يعملون في تعليم اللغة العربية، كان يدفعني للبحث عن إجابات أخرى أقرب إلى العلمية وأكثر اعتمادا على الدراسات التطبيقية.
وقد وجدت دراسات مختلفة تتحدث عن أهمية تعليم الشعر في كل مراحل التعليم، بل إنّ بعض الدراسات تؤكد على أهميته في المراحل الأساسية، وتدعو إلى تضمين مواد العلوم والرياضيات قصائد قصيرة تتضمن بعض المفاهيم العلمية، لأن ذلك يساعد التلاميذ على الفهم، ويحقق لهم الإمتاع في الوقت نفسه. ومن بين هذه الدراسات دراسة أجراها علماء اسكتلنديون، وجدوا فيها من خلال البحوث والتجارب أنّ الشعر أفضل لتنشيط الدماغ من النثر، فقد وجدوا أنّ قراءة النصوص الشعرية تنشط الدماغ أكثر من قراءة النصوص النثرية.
وقد اعتمدت هذه الدراسة على تسليط نوع من الأشعة تحت الحمراء على عيني القارئ للكشف عن حركات العين الدقيقة أثناء القراءة، فلاحظوا أنّ القرّاء يقرأون الشعر بسرعة أبطأ وبتركيز أكثر، ويستخدمون أحيانا تقنية إعادة القراءة أو الوقفات الطويلة قبل استئناف القراءة من جديد. كما لاحظوا أنّ حركات العين تكون أكثر في حالة قراءة النص الشعري، وهذا دليل، من الناحية العلمية، على التفكير العميق، والنشاط الذهني المركز.
وقد بينوا أنّ إدراكا مباشرا يتكون في الدماغ حين تقع العين على نص شعري، بأن هذا النص يمثل شكلا مختلفا من اللغة ويحتاج إلى تركيز ويقظة. كما أظهرت الدراسات التمهيدية التي استخدمت تقنيات تصوير الدماغ بالأشعة المغناطيسية، مستويات عالية من النشاط في مساحات كبيرة من الدماغ في الوقت الذي يستمع فيه الناس إلى النصوص الشعرية؛ إذ إن مناطق كبيرة من الدماغ تضيء أثناء إنشاد الشعر، وهذا دليل على أنّ النشاط العقلي يستثار استثارة تفوق تلك التي تسببها النصوص النثرية.
وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة تقول الدكتورة جين ستابلر، وهي أحد أعضاء فريق العمل: إنها تظن بأن الشعر ينشط خيارات كامنة في الدماغ، بسبب الإيقاع والموسيقى والخيال الكثيف والتقنيات التي يستخدمها الشعراء لاستثارة القارئ ودفعه إلى التأمل والتفكير العميق. ويبدو من النتائج الأولية للدراسة أنّ الإيقاع والموسيقى مرتبطان بشكل معقد بتكوين الذاكرة واستدعائها.
فإذا ثبت ذلك بشكل قطعي بعد الانتهاء من الدراسة، فإن الشعر قد يكون مفيدا في علاج مشكلات الذاكرة المرتبطة بالتقدم في العمر أو الناتجة عن الحوادث. كما بيّن الفريق أنّ آليات القراءة التي أظهرها القراء أثناء قراءة النصوص الشعرية، من مثل الحركات المتأنية وإعادة القراءة والوقفات الطويلة، تشبه إلى حد كبير ما يظهره الأطفال المصابون بمرض الديالكسيا، وهو ما يعرف بالعربية بصعوبات القراءة غير المرتبطة بمشكلات في مستوى الذكاء أو النظر أو السمع.
وبناء عليه فإن فريق العمل يرى أنه من الضروري أن تعطى للشعر مساحة أكبر في المنهاج، وأن يستخدم بطريقة مدروسة مع التلاميذ الذين يعانون من مشكلات في القراءة، خاصة بعد أن ظهر أن للإيقاع والتقفية دور كبير في تنشيط الذاكرة. وفي دراسات أخرى أظهر الأطفال تفاعلا أكثر مع النصوص الشعرية من النصوص النثرية، وكان واضحا بجلاء استمتاعهم بالإنشاد والتكرار، ويبدو أنّ التعلق باللغة وتقديرها عند الصغار يرتبط ارتباطا جيدا باكتشافهم الإيقاع الجميل بين الكلمات.
كما أنّه يتيح للصغار مجالا أوسع لتذوق اللغة واكتشاف جمالها وتكوين المعرفة حول المفاهيم العامة، والتعاطف مع الناس، ورؤية النفس والآخرين، والاستمتاع بجمال الطبيعة واِلأشياء من حولهم، وتكوين القيم الإيجابية، وتكوين رصيد جميل من الذكريات حول مراحل التعليم الأولى.
بل إنّ هناك دراسات حديثة جدا تذهب إلى أبعد من ذلك، فقد ذهب بعض الدراسات إلى أنّ قراءة النصوص الشعرية المقفاة تقوي القلب والجهاز التنفسي، إذ وجد الباحثون أنّ قراءة النصوص الشعرية المقفاة من قبل المرضى ساعد على تنظيم تنفسهم تنظيما ملحوظا، مما قد يدعم جهازهم التنفسي ويقوي أداء القلب عندهم.
يبدو أنّ الشعر لا يضيء العقول فقط، إنه يريح القلوب المتعبة أيضا. فلماذا لا نفسح المجال أمام الأجيال الصغيرة من أبنائنا لتنهل من الشعر الجميل، فتتعلم وتستمتع وتزداد حكمة وتقدر مكامن الجمال في اللغة والحياة؟
جامعة الإمارات