يعود الفضل في لبنان لانتخابات منطقة المتن النيابية الفرعية في أمرين اثنين: أولهما دخول لبنان مرحلة الاستحقاق الرئاسي دخولا هادئا. والثاني، خروج كل من العماد ميشال عون والرئيس الأسبق أمين الجميل من دائرة الاستحقاق الرئاسي.

فوفقا لما أجمعت عليه الأطراف اللبنانية مؤخراً فإن انتصار كميل خوري مرشح عون في انتخابات المتن الفرعية بفارق 418 صوتا عن منافسه الجميل وإحراز 41 % فقط من أصوات الناخبين المسيحيين، تعتبر خسارة سياسية على الرغم من الفوز المادي، في مقابل 59% من الأصوات حصل عليها عون شخصيا في انتخابات العام 2005، الأمر الذي اعتبره عون وقتها مفتاحا لوصوله إلى القصر الجمهوري.

أما بالنسبة للجميل فإنه على الرغم من إحرازه لغالبية أصوات الناخبين المسيحيين، أصبح خارج نادي المرشحين للرئاسة لأنه خسر مقعدا نيابيا على الرغم من كونه رئيسا سابقا للجمهورية، وابنا لرجل من رجالات الاستقلال، وأخا ل(شهيد) بالنسبة للمجتمع المسيحي، ووالدا لنائب ووزير (شهيد)، بمعنى أن عون قد أوصد في وجهه جميع الأبواب التي كان له أن يمر من خلالها في طريقه إلى قصر الرئاسة.

وربما لهذا السبب، خروج عون والجميل، إلى جانب الأسباب التي ذكرها في آخر تصريح له قبل ثلاثة أيام، بدا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري متفائلا بأن انتخابات رئاسة الجمهورية ستجري في موعدها، أي بين 25 سبتمبر و25 نوفمبر 2007، في وقت بدأت تتضح اللائحة غير المعلنة للمرشحين للرئاسة، وفق الآتي:

1ـ يأتي في مقدم اللائحة اسم قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان، إذ أن هناك من السياسيين من يعتبر أن معركة مخيم نهر البارد والشهداء الذين قدمهم الجيش في مواجهاته مع مسلحي (فتح الإسلام)، هي أول درجة في سلم وصول العماد سليمان إلى سدة الرئاسة الأولى، إلا أن هذا الطرح سرعان ما يواجه بمقولة أن اللبنانيين لم ينسوا أن الأزمة التي دخلت فيها البلاد ولما تخرج منها بعد، بدأت مع وصول شخصية عسكرية إلى رئاسة الجمهورية.

وتفاقمت بعد التمديد لها، لاسيما أن شعار معارضة الرئيس إميل لحود سابقا كان معارضة لوصول شخصية عسكرية إلى الحكم، وهو أمر يشكل إحراجا لقوى كثيرة أمام أنصارها على الرغم من أنها ترى في العماد سليمان شخصية مقبولة للرئاسة، فيما ترى بعض القوى السياسية الأخرى أن موقفه الحيادي في الاشتباك السياسي الحاصل بين الأكثرية والمعارضة وما رافقه أحيانا من تطورات أمنية على الأرض، فيه تقصير منعه من التشدد في مواجهة هذه التطورات.

2- حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يعتبر من الأسماء التي سبق أن طرحت للرئاسة في أكثر من مناسبة وحديث، وهو اسم مطروح اليوم، إلا أن هناك شبه إجماع سياسي أن المرحلة التي يمر بها لبنان راهنا لا تسمح بمناقشة أسماء مرشحين من خارج النادي السياسي، ولذلك فإن حظوظه تكاد تكون شبه معدومة.

3- النائب والوزير السابق فارس بويز هو من الشخصيات التي تدغدغ مشاعرهم فكرة الرئاسة، لا بل أكثر من ذلك فهو يعتبر ترشيح نفسه حقا من حقوقه، لاسيما أنه سبق لاسمه أن طرح بقوة كمرشح جدي عشية انتهاء ولاية حماه الرئيس الراحل إلياس الهراوي، إلا أن الظروف الإقليمية جاءت وقتها لتستبعده، فيما الظروف الإقليمية والدولية تسوق راهنا عوامل أشد قسوة بالنسبة لشخصه.

4 ـ ما ينطبق على بويز ينطبق أيضا بنسبة أو بأخرى على النائب والوزيرة الحالية نايلة معوض، إضافة إلى أن هناك من السياسيين من يعتبر أن أوراقها محترقة تماما كمرشح تسوية أو توافق.

5 ـ يعتبر النائب بطرس حرب مرشحا جديا لرئاسة الجمهورية اللبنانية، لما يتمتع به من حظوظ إقليمية ودولية عززها بمحاولاته الدائمة التميز عن قوى الأكثرية «14 آذار» التي ينتمي إليها، وهو أعلن قبل يومين أنه سيعلن ترشيح نفسه للرئاسة وبرنامج عمله في خطوة شخصية في أواخر أغسطس الحالي، أما أبرز ما يميزه عن الأكثرية فهو تبنيه لموقف تنادي به العارضة ويتمثل بضرورة انتخاب الرئيس بأكثرية ثلثي أعضاء البرلمان، ومعارضته لما تنادي به الأكثرية حول انتخاب الرئيس بنصف أعضاء المجلس النيابي زائد واحد.

6 ـ على غرار النائب بطرس حرب، يعتبر النائب والوزير السابق نسيب لحود مرشحا جديا أيضا بما يملكه من رصيد سياسي نظيف، وفيما يعتبر رصيده الأميركي قويا كونه شغل منصب سفير للبنان في الولايات المتحدة لمدة عشر سنوات تقريبا، وكذلك رصيده السعودي كونه عديلا للملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، فإن رصيده السوري يعتبر متدنيا كونه من القيادات النخبوية لقوى الأكثرية التي أعلنت في وقت سابق أنها ستقدم للرئاسة مرشحا واحدا، إضافة إلى الهزيمة التي لحقت به في مواجهة العماد عون في انتخابات العام 2005 النيابية.

7ـ يبدو الصامت الأكبر اليوم النائب والوزير السابق جان عبيد هو صاحب الاسم الحائز على إجماع، باعتباره مرشح تسوية مقبولا على الصعيدين الخارجي والداخلي، فعبيد المعروف برصانة علاقاته مع كل من سوريا والمملكة العربية السعودية، كان على علاقة لا يمكن وصفها سوى بالاحترام والثقة والإعجاب المتبادل مع رئيس الوزراء السابق الراحل رفيق الحريري، حيث شغل حقائب وزارية في معظم حكوماته، لا بل كان الشخصية التي كانت تسميتها تشكل حلا لأي عقدة قد تعترض تشكيل الحريري لأية حكومة. بمعنى آخر فإن عبيد، بتجرده وموضوعيته، كان موثوقا من قبل جميع الأطراف، وهو اسم مقبول بالدرجة ذاتها من قبل حركة (أمل) و(حزب الله) وسعد الحريري.

ويسجل لصالح جان عبيد أيضا، أنه بعد رحيل الرئيس رفيق الحريري دخل في فترة من الصمت، متخذا مسافة واحدة من جميع الأطراف المتنازعة جنبته الدخول أو المشاركة في مهاترات الصراع القائم بينها.

في المحصلة، وباستثناء عون مرشح المعارضة الوحيد وعبيد مرشح التسوية الوحيد، فإن الأسماء التي تحملها لائحة المرشحين المحتملين للرئاسة يدور أصحابها في فلك قوى الأكثرية، وفيما تحصد التصريحات المتفائلة للرئيس بري ردودا سلبية من قبل قوى «14 آذار» يبدو أن ما يستند إليه رئيس البرلمان اللبناني في تفاؤله هو محصلة واقعية لما أحرزته، قبل الانتخابات الفرعية، الوساطة العربية المتمثلة بتحرك أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، والوساطة الفرنسية ـ الدولية المتمثلة بتحرك وزير الخارجية الفرنسية برنارد كوشنير، وهما وساطتان تتكاملان تحت عنوان واحد هو تمرير الاستحقاق الرئاسي في لبنان، باعتباره المفتاح السياسي لتنفيس الاحتقان بين الأكثرية والمعارضة وإيجاد حل للأزمة اللبنانية، وسط مؤشرات إيجابية يمكن حصرها بالآتي:

أولا ـ استعداد عمرو موسى للحضور إلى لبنان قبل نهاية أغسطس الحالي.

ثانيا ـ استئناف السفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجه تحركه بزخم شبه يومي، بين الرئيس بري ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة والنائب وليد جنبلاط.

ثالثا ـ الميل لتوسيع الحكومة الحالية بتوجهات قد تؤدي إلى توافق الأطراف على اعتبارها حكومة وحدة وطنية.

رابعا ـ تأكيد الرئيس السنيورة الاستعداد للبحث في مسألة التلازم بين حكومة الوحدة الوطنية والتوافق على اسم المرشح للرئاسة.

المقربون الذين يتقنون قراءة مواقف الرئيس بري وتصريحاته، يقولون إنه يستند في تفاؤله وعدم اعتقاده بأن الأطراف المتنازعة مستعدة للذهاب في تصلبها إلى درجة السماح بحكومتين ورئيسين للجمهورية، من منطلق إدراكه أن التنازلات المتبادلة بين الأطراف أكيدة، متى ما تم التوافق الخارجي والداخلي على حل العقدة الكبرى.. اسم الرئيس العتيد.

كاتب لبناني

ghassan.habbal@albayan.ae