يذهل المراقب للمشهد العربي في غير بلد من حالة التفكك والتشرذم والنزاعات، التي تفجرت بفعل تراكم الأخطاء الداخلية وتضخمت بتأثير التدخل الأجنبي، وفاقم من آثارها غياب المشروع العربي للنهضة والاعتماد على الذات، وضعف دور الدولة في ترسيخ الرابطة الوطنية، وتآكل مكانة أجهزة الدول القطرية، وفوق كل ذلك ضعف الإرادة في إقامة مؤسسات فاعلة للعمل العربي المشترك، رغم وجود إمكانيات هائلة لتحقيق طفرة واقعية على طريق التكامل العربي، بما يخدم كل الأقطار، ويعظم اقتصادياتها ومكانتها السياسية في عالم لم يعد يعترف إلا بالكيانات الكبيرة.

الاقتراب من المشهد العربي بكل تفاصيله وتعقيداته وتناقضاته، يظهر وحدة المشكلة رغم اختلاف الأقطار، ويؤكد لكل متشكك ان جوهر أزماتنا العربية يكمن في طريقة التعاطي مع التحديات والمتغيرات الدولية، وانجراف قدر غير قليل من نخبنا العربية إلى الانخراط في صفوف دعوات حق يراد بها باطل ولا تقدم لشعوبنا وحركاتنا السياسية سوى السم في العسل، بطريقة تجعلها تحفر قبرها بيديها.

ففي فلسطين، قضيتنا المركزية، أصبح الصراع الحزبي المدمر بين حركتي فتح وحماس هو محور الحياة اليومية، وحل العداء والثأر بين الفصيلين محل واجب المقاومة وصد العدوان الإسرائيلي. وباتت أخبار الاشتباكات الفلسطينية تتقدم على أخبار الاعتداءات الإسرائيلية.

وتدهورت أساليب إدارة النزاع الداخلي إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ النضال الفلسطيني، لدرجة ان حرب أشرطة تسجيلات واعترافات المعتقلين من الجانبين لم تتورع عن تشويه صورة المناضل الفلسطيني في عيون رجل الشارع، وفى عيون المراقب الغربي.

وزاد في طين أزمة النزاع بين حماس وفتح بلة، رفض الجانبين لدعوات الحوار والمصالحة، والتمترس خلف رغبات الثأر، بما يعمق الأزمة ويسد كل طريق للخروج من النفق المظلم. ويغفل هؤلاء عن حقيقة ان استمرار النزاع لن يقدر احد من الفلسطينيين على سداد ثمنه الباهظ، الذي لن يقل عن تصفية القضية وإلغاء حق العودة، وتقزيم حلم الدولة المستقلة، وجعلها مجرد «كانتون» لا يملك من مقومات الدولة شيئا، ولا يزيد على كونه مجرد إدارة بلدية لقرية أو مدينة صغيرة.

والمثير للدهشة ان الدعوات للحوار بين الفصائل تكتسب يوميا أرضا جديدة بين الأوروبيين، في حين نغض نحن الطرف ونتغافل عن تفعيل جهود رأب الصدع، الذي لن تقتصر خسائره على الشعب الفلسطيني فقط، بل ستطال كل العرب، بدون استثناء. في هذا السياق، نفهم توصية لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان البريطاني أمس ومطالبة الحكومة بفتح قنوات اتصال مباشر مع حماس وحزب الله.

في لبنان، يتكرر جوهر المشهد المتخم بالخلافات والنزاعات الحزبية بطريقة تهدد وحدة كيان لبنان الوطني، ويفتح أبوابه على مصاريعها للراغبين في التدخل ولعب دور لغير صالح الشعب اللبناني، رغم استخدام شعارات مضللة تروج للديمقراطية. والآن يقف اللبنانيون أمام استحقاق الحفاظ على انجاز المقاومة وإنقاذ الوحدة الوطنية من خطر محدق.

في السودان، يتكرر مشهد الخلافات ومحاولات التفتيت، على أرضية نزاع دارفور، الأمر الذي يضع العرب أمام تحدي تقليص فرص التدخل الأجنبي الذي بدأ فعلا، ومنع تطوره إلى درجة تنتقص من السيادة السودانية.الخلاصة، ان المطلوب منا عربيا اقتناص فرصة الصحوة قبل فوات الأوان، والمبادرة إلى علاج الأخطاء المتراكمة وترسيخ روابط الوحدة الوطنية والتكامل العربي.