يبدو أن زمام الأمور بدأ يخرج من يد الرئيس الأميركي جورج بوش قبل نهاية شهوره السبعة عشر المتبقية من ولايته الثانية، وهكذا بدأت أوراق خريفه تتساقط في عز صيفه، وتذبل زهور ربيعه قبل أن تتفتح بألوان زاهية تشع «ديمقراطية» في العراق، و«حرية» في أفغانستان.

اليوم وفي مشهد لم يكن متوقعا أبدا نرى شجرة بوش تقف على ساق «ناشفة» وهي تذبل يوما بعد يوم بسقوط أقرب المقربين، وأخلص المخلصين لسياسات هذا الرجل الذي ورطته في مستنقعات دامية، حتى أصبح المراقبون يتساءلون: أيهم أشد عجزا وضعفا: بوش في الولايات المتحدة، أم المالكي في العراق، وكرزاي في افغانستان؟

بالأمس أعلن كارل روف «عقل» بوش، و«مهندس» سياساته التي أوصلته إلى البيت الابيض وقبل ذلك إلى حكم تكساس بذكائه ودهائه، وقبله كانت استقالات مهندس الحروب دونالد رامسفيلد ومستشاره ريتشارد بيرل ومعهما وولفويتز وجون بولتون، ثم مستشاري بوش وكوندوليزا رايس لشؤون العراق روبرت بلاكويل وفيليب زليكوف على التوالي، ولسان البيت الابيض سكوت ماكليلان، وكبير موظفيه اندرو كارد، هذا علاوة على ما شهدته السي آي إيه من استقالات بدءا من رئيسها السابق جورج تينيت.

بوش لم يكن في وضع أصعب من اليوم وهو يقود سفينة تتقاذفها الأمواج بعد استنزاف طاقمها الذي أثبتت الأيام أنه لم يقدها إلى بر الأمان، في وقت تراجعت فيه شعبيته إلى أدنى مستوى «30%» لم يبلغه رئيس أمريكي باستثناء نيكسون، وهو الرئيس الذي تساوى معه كذلك في تسجيل أدنى شعبية خلال فوزه بولايته الثانية 2004 عندما لم تتجاوز 51%.

روف من اقرب مستشاري بوش، لعب دورا محوريا في الكواليس لاقناع الكونغرس بشرعية غزو العراق في مارس 2003، ونظم لقاءات للمجموعة حول العراق في البيت الأبيض التي شكلت قبل ثمانية أشهر من اجتياح هذا البلد لاطلاع الرأي العام على «التهديد» الذي يطرحه صدام حسين.

وارتبط اسم روف منذ 2003 بقضية فاليري بليم العميلة السابقة في وكالة الاستخبارات الأميركية، التي يشتبه ان أعضاء في إدارة بوش سربوا اسمها للصحافة في محاولة للنيل من مصداقية زوجها السفير الأميركي جوزف ولسون الذي اتهم البيت الأبيض بأنه بالغ كثيرا في تقدير الخطر الذي يمثله العراق لتبرير اجتياحه.

روف لن يكون الأخير في سلسلة معاوني بوش الذين بدأوا الانسحاب من الادارة قبل انتهاء ولاية الرئيس في يناير 2009 لكن المدهش فعلا هو توقيت استقالته وترك رفيق دربه أعزل في ساحة ملتهبة، على الأقل قبل مؤازرته في سبتمبر المقبل عندما يواجه الرئيس إحدى اصعب معاركه الرئاسية أمام الكونغرس بشأن الاستراتيجية المعتمدة في العراق والموازنة.