لم يبق أمام اللاجئين الفلسطينيين في العراق سوى الهجرة القسرية من جديد خارج حدود العراق، بعد عقود من النكبة ومن الإقامة التي طالت في بلاد الرافدين، فقد بتنا الآن وبعد كارثة العراق، نسمع أسماء مخيمات وتجمعات فلسطينية جديدة تضاف إلى قائمة مخيمات وتجمعات الشتات الفلسطيني الممتدة في بلدان الطوق المحيط بفلسطين.

بل والأنكى من ذلك أن نسمع عن مخيم فلسطيني جديد اسمه «مخيم نيودلهي» على مقربة من العاصمة الهندية يقيم فيه نحو 300 عائلة فلسطينية من العائلات التي أسعفها حظها في القدوم هناك، هرباً من عمليات القتل والتنكيل التي مازالت تمارس على أرض العراق ضد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين والبالغ عددهم 22 ألف لاجئ في مدن بغداد والبصرة وكركوك والموصل،.

وذلك منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 على يد بعض الميليشيات السوداء، ومن حملات منظمة تديرها أطراف مختلفة، وأدت إلى تفاقم معاناتهم وتدهور أوضاعهم القانونية والأمنية والصحية والتعليمية والاقتصادية نتيجة لحملات التهجير والاعتقالات والخطف.

ويعتبر مخيم «نيودلهي» الجديد بمثابة المخيم الرابع للفلسطينيين الهاربين من جحيم القتل في العراق، بعد أن كان البعض منهم قد لجأ إلى مخيم «الرويشد» على الحدود الأردنية العراقية والى مخيم التنف (الوليد) على الحدود السورية العراقية ومخيم «الهول» في الأراضي السورية وبالقرب من معبر اليعربية السوري العراقي الواقع أقصى شمال شرقي سوريا، بينما غادر من استطاع منهم نحو مهاجر بعيدة في استراليا وأوروبا الغربية.

ففي مخيمي التنف والرويشد على الحدود العراقية السورية الأردنية، باتت أعداد اللاجئين الفلسطينيين الهاربين من جحيم القتل في بغداد تتجاوز 1400 نسمة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في مخيمات التنف الصحراوي، الرويشد، والهول وحتى نيودلهي، الأمر الذي يستحضر ذاكرة اللجوء الفلسطيني في بداياته الموجعة منذ عام 1948!

إن الأوضاع المأساوية التي تحيط بأبناء فلسطين في التجمعات المشار إليها، لم تعد تحتمل في ظل استمرار تناسي المجتمع الدولي لقضية اللاجئين الفلسطينيين وتهميشها بشكل عام، وفي ظل ممارسات مجموعات من الميليشيات المنفلتة على أرض العراق، والتي تقوم باستباحة دماء وكرامة اللاجئين المدنيين الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ العام 1948، والذين أمسوا يلاقون أوضاعا معيشية صعبة ويفتقدون أدنى متطلبات الحياة سواء في الطعام أو العلاج أو ظروف الحياة اليومية التي يعيشونها.

وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قد أشارت أكثر من مرة للظروف الصعبة التي يواجهها نحو ألف فلسطيني يقيمون عند الحدود العراقية السورية والعراقية الأردنية بعد فرارهم من العنف في بغداد، حيث أكدت مصادر المفوضية على لسان الناطقة باسمها جنيفر باغونيس للصحافيين ان «الكثير من المقيمين في المخيم البالغ عددهم 942 بحاجة إلى عناية طبية عاجلة، بما في ذلك أم لسبعة أطفال تعاني من سرطان الدم وفتى يعاني من مرض السكري»، وسبق أن توفي ثلاثة أشخاص بينهم طفل في شهره السادس بسبب إصابتهم بأمراض يمكن الشفاء منها.

وتوفي كذلك الشاب محمد صادق خليل نتيجة إصابته بالفشل الكلوي، فقد كان هذا اللاجئ يعاني من مرض الكلى الذي أصيب به بعد اختطافه في بغداد على يد الميليشيات المسلحة وتعذيبه لمدة تزيد على 16 يوماً دون طعام وماء. وحتى داخل بغداد لم يسلم من تبقى من اللاجئين الفلسطينيين من أذى الميليشيات السوداء.

حيث قتل مؤخراً المواطن الفلسطيني عوض مصطفى الطنيب بعد أن خطف من قبل هذه الميليشيات، وقتل اللاجئ الفلسطيني الصحفي خالد وليد النبهاني (25 عاماً) جنوب العاصمة العراقية حيث أطلقت النار عليه بدم بارد، ما أدى إلى إصابته بعدة أعيرة نارية واستشهاده في منطقة السيدية عندما كان يستعد للتوجه إلى عمله.

وفي مشهد مأساة اللاجئين الفلسطينيين على أرض العراق، تتلخص مأساة العراق كله، وينفتح جرح الظلم في عالم بات محكوماً بلغة بعيدة عن الإنسانية، عالم ينضح بالبشاعة، وهو يشجع أو يتغاضى عن عمليات القتل والتهجير التي تتم في العراق من قبل عصابات تتوالد بإرادة الاحتلال.

كاتب فلسطيني