منتقدو زيادة القوات الأميركية في العراق التي دعا إليها الرئيس الأميركي جورج بوش في يناير الماضي، استشهدوا بالخسائر الأميركية ثم أعلنوا بعد ذلك فشل الخطة. أما المؤيدون، فإنهم رأوا تقدما يتحقق بفضل التكتيكات العسكرية الجديدة التي يعتقد الكثيرون أنه كان ينبغي القيام بها منذ فترة. مثل هذا الاختلاف حول معركة عسكرية دائرة بالفعل ليس أمرا غير معتاد. فبعد مرور ستين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا يزال المؤرخون يتناقشون حول النتائج الاستراتيجية للمعارك المختلفة التي وقعت أثناء تلك الحرب.

إن التقارير العسكرية الأميركية تفيد أن الزيادة في عدد القوات الأميركية في العراق قد ساعدت على تقليص حدة العنف وفي إلحاق الهزيمة بالإرهابيين. غير أن ضباط الجيش في الوقت ذاته يحذرون من نقص في القوة العاملة العسكرية، ومن الالتزامات العسكرية الأميركية في أوروبا واليابان والبلقان وكوريا وفي مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط. فنحن ليس بمقدورنا الاستمرار في زيادة عدد القوات في العراق بهذا الشكل إلى أجل غير مسمى.

كيف يمكننا معرفة ما إذا كانت الزيادة في عدد القوات ستنجح في تحقيق الهدف منها أم لا؟

في سبتمبر المقبل سيقدم الجنرال ديفيد بيترايوس، القائد الأميركي الأعلى في العراق، تقريرا عن الحالة في العراق إلى الكونغرس.

ووقتها سيقوم الخبراء بدراسة القضايا الدائرة في ذلك البلد، مثل حالة المياه والكهرباء وخدمات الصرف الصحي. وسيجري تقويم حجم الخسائر الأميركية في ضوء تحسن أو سوء الوضع الأمني هناك. وسنقوم نحن مرة أخرى باختبار قدرة الحكومة العراقية على توفير قوات مؤثرة مؤهلة للتعامل مع الإرهابيين، ولتحمل بعض المسؤوليات التي نضطلع بها نحن الآن.

لكن في الوقت نفسه، يمكن للشعب الأميركي أن ينظر إلى مؤشرات أكثر دلالة لإدراك ما إذا كان هناك فشل أم نجاح يتحقق في العراق.

هل قادة المعارضة من الديمقراطيين يلومون الآن بعضهم البعض بسبب التصويت لمصلحة حرب العراق من قبل؟ أم أنهم يتحدثون عن مد العمليات العسكرية لتشمل دولا أخرى؟ فهيلاري كلينتون قد انتقدت بشدة ذات مرة بسبب تصويتها لمصلحة الحرب على العراق، ولكن منافسها الأكثر ليبرالية باراك أوباما يعرب الآن عن استعداده لغزو باكستان.

هل السياسيون المعارضون للحرب في العراق يعلنون هزيمتنا في العراق؟ أم إنهم قلقون من إمكانية فوزنا بالحرب؟ في الربيع الماضي، أعلن السيناتور هاري ريد أننا خسرنا حرب العراق وأن زيادة القوات هناك خطوة فاشلة وأن بيترايوس ليست له صلة بالحرب هناك.

إلا أننا لم نر السيناتور ريد كثيرا في الآونة الأخيرة. لكننا سمعنا زعيم الأغلبية في مجلس النواب جيمس كلايبيرن وهو يعرب عن قلقه من أن الأخبار الجيدة التي نسمعها من الجنرال بيترايوس عن زيادة القوات في العراق قد تمثل مشكلة حقيقية لنا، على حد تعبيره. وهو يعني بلفظ «لنا» هنا الحزب الديمقراطي الذي يعارض هذه الزيادة.

ماذا نسمع من هؤلاء الذين كانوا يستشهدون بنجاحنا في بداية الحرب ثم يكتبون الآن عن الفوضى التي تسبب فيها الاحتلال؟

لقد كتب المحللان الديمقراطيان مايكل أوهانلون وكينيث بولاك مقالا في صحيفة «نيويورك تايمز» بعد زيارتهما للعراق مؤخرا بعنوان «حرب ربما نكسبها». وأعرب الصحافي المحترم المخضرم في «نيويورك تايمز» جون بيرنز عن اعتقاده بأن الزيادة في عدد القوات قد حسنت الوضع في العراق بشكل ملحوظ.

هل حالة الغضب التي انطلقت بسب حرب بوش في العراق وبسبب الحملة الأكبر على الإرهاب، قد نتج عنهما عمل محدد من جانب الديمقراطيين أم أنها ظلت حالة غضب كلامية على الورق فقط؟ حسنا فحتى الآن لم يجر تمرير تشريع واحد يقضي بسحب القوات من العراق أو إغلاق معسكر غوانتانامو أو إبطال قانون الوطنية الخاص بمكافحة الإرهاب. منذ زيارة رئيسة الكونغرس نانسي بيلوسي لدمشق، لم نر أي رحلات لأي مسؤول ديمقراطي للشرق الأوسط من أجل الوصول إلى بدائل للسياسة الخارجية التي يتبناها الجمهوريون.

إن التغير الدائم للمواقف حيال الحرب لا ينبغي أن يكون أمرا مفاجئا، لاسيما عندما نتذكر أن الغالبية العظمى من الشعب الأميركي ومعظم الديمقراطيين في الكونغرس كانوا مؤيدين للحرب منذ أربع سنوات فقط. وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن الأميركيين خلال الأسابيع القليلة الماضية لم يعودوا متشائمين مثلما كانوا منذ فترة حيال نجاح خطوة زيادة القوات من عدمها.

بطبيعة الحال كل فرد منا لديه انتماءاته السياسية. فنحن نختلف فيما بيننا حيال الطريقة التي نعالج بها قضايا الحرب والسلام، وهناك دائما حالة من الضبابية أثناء الحرب تجعل من الصعوبة بمكان قياس نبض ما يجري أثناء المعركة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الرغبة الإنسانية الطبيعية في التقرب من الطرف الناجح والتنصل من الهزيمة، هي التي تحكم تصرف الإنسان في النهاية. وعلى امتداد فترة الحرب، فإن هذا الدافع الطبيعي والفطري لدى الإنسان يفسر معظم الآراء المتغايرة لساستنا وخبراء الإعلام لدينا والذين يحاولون مسايرة التقلبات التي تحصل على الساحة العالمية. ولم يكن ما حدث فيما يتعلق بقرار زيادة القوات الأميركية في العراق استثناءً من هذه القاعدة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»خاص ل: «البيان»