في معرض الحديث عن قضايا التخلف الثقافي في الوطن العربي، تطرق الحديث إلى عادة الكذب، والتي غدت قيمة اجتماعية ومهارة سلوكية على درجة من الأهمية، وإن كانت تلك الأهمية والقيمة الاجتماعية غير معترف بها رسميا. قال لي صديق من ذوي المكانة الاجتماعية المرموقة أن ابنته طلبت موافقته على التغيب عن المدرسة دون عذر تجيزه الأنظمة المدرسية، وذلك لرغبتها في مساعدة زميلة في الإعداد لحفلة زفافها، وأنها لذلك بحاجة لشهادة مرضية من طبيب لتبرير سبب التغيب.
لم يتردد الأب في الاستجابة لرغبة ابنته، حيث قام بالاتصال بأحد معارفه من الأطباء، والذي كان سعيدا بأداء خدمة لصديق ورجل معروف. وهكذا، قامت الطالبة بالكذب على إدارة المدرسة، وقام الأب بمساعدتها على تمرير الكذبة، وتوريط طبيب في عملية الكذب وإصدار شهادة طبية لشابة لم يكشف عليها، وبالرغم من معرفته بأنها تحتاج لتلك الشهادة لمخالفة قوانين مدرسية مرعية.
وتُستخدم مهارة الكذب على نطاق واسع في المناسبات العامة حين يجد الكاذب نفسه مضطرا لإنكار تصرف مخالف لما يتوقعه الآخرون منه، أو حين يقوم باتخاذ موقف لا تجيزه العادات أو الأعراف المرعية بين الناس. وكما تتفشى عادة الكذب بين العامة من الناس، تنتشر على نطاق واسع بين المسؤولين الذين يلجأون إليها حين يفشلون في الوفاء بالتزامات يكونون قد قطعوها على أنفسهم، أو حين يفشلون في الالتزام بواجبات تمليها عليهم وظائفهم. وحين يُسأل المرء عن موقف شخصي لا يملك الجرأة على البوح به، فإنه يجد الكذب وسيلة مضمونة لإنقاذه من ورطة مؤكدة، بينما تكون الأمانة مشكلة قد تعود عليه بعواقب وخيمة.
ففي شهر رمضان مثلا، نلاحظ أن من الصعب جدا أن يعترف غير الصائم بعدم صيامه، حتى وإن كان لديه عذر مقبول يفرض عليه تناول دواء بصفة منتظمة تتعارض مع ساعات الصيام. وفي إحدى المناسبات تطرق الحديث إلى قضية الصيام أثناء جلسة عشاء جمعتني قبل سنوات مع مجموعة من الشعراء من الرجال والنساء في مدينة فاس بمناسبة مهرجان «خيمة الشعر»، قالت إحدى الشاعرات المغربيات أنها واحدة من بين خمس أخوات لا تصوم إحداهن أبدا. ثم أضافت قائلة بأنها لا تستطيع ولا أي من أخواتها البوح بتلك الحقيقة، لان والدهن «لو عرف بذلك فإنه من المؤكد أن يصاب بجلطة قلبية تقتله على الفور».
وعلى الرغم من أن الكذب آفة اجتماعية مضرة بصحة الكاذب النفسية، ومشكلة مجتمعية تجعل من غير الممكن على أي شخص أن يتأكد من أمانة شخص آخر إلا إذا كان يعرفه جيدا ويثق به كثيرا ويفهمه تماما، وهذا بحد ذاته شيء من النادر حدوثه، فإن موقع الكذب من الثقافة العربية لا يزال في صعود. وفي ضوء تعود الناس على الكذب واستمراء الكثيرين له، وتفنن البعض في ممارسته .
وفي أساليب التعبير عنه، فإن ممارسة الكذب أصبحت حقيقة من حقائق الحياة، وعنصرا من عناصر الثقافة السائدة. وهذا جعل الكذب يكتسب بعضا من «الشرعية» بصفته عادة شائعة و«شرا لا بد منه»، ويتشعب إلى فنون كثيرة مثل النفاق والرياء والمديح والتفاخر والاستضعاف والتزلف.
إن للكذب أسبابا كثيرة ودوافع عديدة لا يمكن حصرها، لكن السبب الأساس، والذي تنبع منه وتنبثق عنه كل دوافع الكذب ومسبباته، هو انعدام الحرية الشخصية. فحين يشعر الإنسان أنه لا يملك ما يكفي من الحرية كي يقول ما يريد ويفعل ما يريد، يصبح لزاما عليه التنازل عما يريد أن يقول ويفعل، أو اللجوء إلى الكذب لإخفاء مشاعره ومواقفه غير المقبولة، وإنكار تصرفاته غير التقليدية.
وحيث أن انعدام الحرية حالة شائعة وليست مقصورة على فئة دون أخرى، فإن الكذب أصبح صفة تلازم كل فرد تقريبا، خاصة الأبناء في مواجهة الآباء والأمهات، والطلاب في مواجهة الأساتذة، والشعب في مواجهة السلطة، وجيل الشباب عموما في مواجهة جيل الشيوخ، واللبراليين في مواجهة المتزمتين.
إن التغلب على عادة الكذب في المجتمع العربي مشكلة عويصة لأنها أصبحت جزءا من ثقافة شعبية مهيمنة. على الرغم من ذلك لا يمكن أن يستمر تماسك العائلة، وأن تتوطد الصداقات والمصالح، وأن تتم المعاملات التجارية والمالية دون خوف، وأن يتقدم المجتمع، إلا إذا توفرت الثقة فيه وبين أفراده.
ومن أجل التغلب على عادة الكذب لا بد من تحرير الإنسان من الكبت الاجتماعي والتسلط السياسي والفقر الاقتصادي وهيمنة المؤسسة الدينية، وتعويده على الجرأة في التعبير عن مشاعره وأفكاره وآرائه بأمانة. إلى جانب ذلك، لا بد من احترام خصوصية الفرد وحقه في أن يقول ما يشاء وأن يفعل ما يشاء، ما دام ما يقوله وما يفعله لا يلحق ضررا بالآخرين ولا يعتدي على حرياتهم أو حقوقهم. وعلى العموم لا بد أن يعرف الناس، خاصة من يلجأ منهم للكذب بشكل معتاد لإخفاء مشاعرهم أو للتستر على بعض تصرفاتهم، أن هناك فرقا كبيرا بين أن يكذب الإنسان وبين أن يمتنع عن قول الحقيقة.
إن من حق كل إنسان، ويجب أن يكون من حقه، أن يحتفظ لنفسه ببعض آرائه، وأن يتكتم على أسرار حياته، وأن يخفي عن الآخرين خصوصياته. وفي المقابل، على كل إنسان أن يعرف أنه ليس من حقه أن يكذب على الغير من الناس، لأن في الكذب خداعا للآخرين، وتلاعبا على القانون، وتآمرا ضد مصلحة الشعب والوطن، وخيانة لأمانة الكلمة.
وإذا قارنا ما يحدث هنا مع ما يحدث في مجتمعات تتوخى الصدق، كألمانيا مثلا حيث يتمتع المواطنون فيها بالحرية ويخضعون لقوانين ومساءلات قانونية، فلن يكون من الصعب علينا أن نكتشف سبب شيوع عدم الثقة بين المواطنين في البلاد العربية، وتوفر الثقة في المجتمع الألماني.
إن السماح لثقافة شعبية بجعل الكذب عنصرا ثقافيا ومهارة اجتماعية، وبجعل عملية التوريط في الكذب وممارسته عملا مشروعا، وهي بكل تأكيد عملية تخالف طبع الإنسان ومزاج الطبيعة. وليس على المرء سوى النظر إلى حال المجتمعات التي تمارس الكذب وتخلق الظروف التي تفرض على الناس أن يكذبوا، ليتأكد من أن الكذب مدعاة للتخلف وانعدام الثقة والفشل الذريع.
وتقول النظريات التنموية الحديثة أن توفر الثقة الاجتماعية هو من أهم شروط التنمية، وأن غيابها هو من أهم مسببات الفشل والتخلف، خاصة حين يتخلف القانون عن مواكبة التطور المجتمعي، ويكون تطبيقه قاسيا وكاملا حين يكون الأمر متعلقا بحماية نظام الحكم، وإهماله شبه كامل حين يكون الأمر متعلقا بحماية أمن المواطن.
أكاديمي أميركي من أصل عربي