يمكننا القول ومن دون مبالغة إن منطقة الخليج العربي تعتبر إحدى أكثر المناطق خطورة في العالم، وهذه الخطورة ناجمةٌ من الكوارث والصراعات التي تجري أحداثها على ساحة الخليج. فمنذ قدم التاريخ نجد أن الخليج العربي قد تعرض لكثير من الحملات الاستعمارية القديمة التي كانت تسعى وراء السيطرة على ثروات دول المنطقة، ليس هذا فحسب بل إن هذا الاستعمار قد عاد مرة أخرى إلى المنطقة بصورة جديدة سعياً وراء السيطرة والهيمنة على موارد دول الخليج لاسيما أهم مواردها النفط.
ونتيجة لما تحتويه أرض الخليج العربي من خيرات وثروات طبيعية، فقد أصبحت تشكل في عيون القوى العظمى محل جذب ومنطقة استراتيجية غنية لافتة للنظر. وعليه فإن دفاتر التاريخ تحفل بكثير من العلاقات السياسية والاقتصادية بين بلدان العالم الأخرى ودول منطقة الخليج العربي.
وكما هو معروف فإن الصين يهمها أمر منطقة الخليج العربي شأنها شأن أي قوة عظمى تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية، والعلاقات الصينية العربية ليست وليدة اليوم بل هي ضاربة بجذورها قدم التاريخ، فقد كان يطلق على الطريق الذي تأتي منه الصادرات التي كانت تصل إلى بلاد العرب قديماً «طريق الحرير».
بل إنه منذ القدم كان لها تواصل مع الخليج العربي أيضاً، وبصورة أوضح كان هذا التواصل في مضمونه اقتصادياً بشكل بحت وبصورة كبيرة أكثر من أي شيء آخر. وحتى الآن في زمننا هذا ما زالت الصين محافظة على هذا التواصل وساعية إلى تطويره وتعزيزه مع دول الخليج، ليس هذا فحسب بل إن أشكال هذا التواصل قد تعددت ولم تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط كما كان سابقاً.
والصين تعد قوة سياسية واقتصادية لا يستهان بها، ومنطقة الخليج تشكل هدفاً لتحقيق مصالحها الوطنية، فهي تقوم باستيراد النفط وتربط بينها وبين دول المنطقة علاقات وثيقة، وعليه فإن الصين تنظر إلى هذه المنطقة نظرة استراتيجية ويجب أن تحافظ على سلامتها وسلامة مصالحها الدولية فيها، وهذا يفرض على الصين بالضرورة أن تكون لها نظرة وموقف محدد وواضح تجاه كثير من القضايا التي تخص شأن الخليج العربي.
وتعتبر القضايا السياسية في الخليج العربي (النووي الإيراني، غزو العراق، وغيرها...) من أكثر القضايا التي تستحوذ ومن دون مبالغة على اهتمام القوى الكبرى التي تأخذ بعين الاعتبار هذه المسائل الحساسة عند صياغة القرار السياسي الخارجي لها، وكثير من الدول العظمى ترى أمن الخليج العربي أمراً ملحاً لا يمكن التغاضي عنه أو إهماله، وذلك نتيجة علاقة الارتباط المباشرة أو غير المباشرة بكثير من المصالح الوطنية الحيوية لهذه الدول في منطقة الخليج العربي.
وبما أن الصين تهتم بمنطقة الخليج لوجود مصالحها الوطنية، فإنه من المؤكد أن تكون لها أيضاً رؤيتها الخاصة بالكثير من القضايا ذات الصلة بأمن الخليج العربي. وعندما تتعامل الصين مع هذه القضايا المهمة لابد من اتخاذها مواقف سياسية واضحة على ضوء العوامل المحددة للسلوك الصيني في منطقة الخليج العربي، والتي يعتبر ازدياد العمق في العلاقات الاقتصادية مع دول المنطقة من أهمها، لأن الاقتصاد في عالمنا المعاصر أصبح المحرك الأساسي لكثير من العلاقات الدولية القائمة على المصالح المتبادلة.
إن الدول بصفتها فاعلاً رئيسياً في النظام الدولي تسعى جاهدة من أجل صنع علاقات فاعلة وقوية وحميمة مع الدول الأخرى التي ترى أن العلاقة معها سوف تجلب لها نفعاً وتحقق أهداف سياستها الخارجية ومصالحها الوطنية. والصين كغيرها من الدول تحاول أن تكسب علاقات جيدة مع الدول الصديقة في العالم.
وفي منطقة الخليج العربي نلاحظ وجود علاقات قوية وتاريخية بين الصين وإيران التي تقف على مستويات عدة، مثل: التبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية والمواقف السياسية المتقاربة وغيرها. إن العلاقات الصينية الإيرانية قابلة للتطوير على الصعد السياسية والاقتصادية، فهي علاقة ذات طابع استراتيجي. فإيران لم تنس يوماً أن الصين كانت إحدى الدول التي زودتها بالسلاح خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980ـ 1988).
وقوة العلاقة التي تربط الصين بإيران ليست آنية أو مؤقتة، بل هي استراتيجية ومستقبلية آخذة بالتطور، فالصين تعتبر إيران طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه نتيجة اعتمادها على استيراد النفط والغاز الطبيعي الإيراني، وكما هو معروف حسب الإحصاءات تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي المسال في العالم.
أضف إلى ذلك العلاقات العسكرية بين الصين وإيران التي تساهم بشكل كبير في تطوير القدرات العسكرية لها من خلال التعاون في مجال التكنولوجيا النووية وتكنولوجيا الصواريخ. وتشكل إيران بالنسبة للصين رقعة جغرافية مهمة لا يمكن الاستغناء عنها، وتقوم علاقاتها معها على بعد استراتيجي. فالصين تعتبر ثاني أكبر مستهلك للنفط بعد الولايات المتحدة الأميركية، وإيران بالمقابل هي الجهة التي تستطيع تلبية حاجات الصين من الطاقة.
وإذا نظرنا إلى الصين من زاوية السياسة الدولية فإنها تعتبر حسب الإمكانيات المتوفرة لديها أحد أكبر اللاعبين في النظام الدولي المعاصر، ونتيجة لبروز العملاق الصيني كقوة قادمة تتضح لنا ملامحها في تنامي الاقتصاد الصيني السريع، ويرجح كثير من المراقبين أن الصين قد تتحول في المستقبل إلى القوة الأولى عالمياً. وبالرغم من وجود قوى دولية كبرى أخرى تسعى نحو اعتلاء قمة النظام الدولي، إلا أن هذا لا يقلل من احتمالية تأهل الصين إلى هذه المكانة العالمية.
وإن القارئ لصفحات التاريخ السياسي للعلاقات الدولية وتحديداً موضوع تطور النظام الدولي، يجد أنه مرّ بعدة مراحل متعاقبة حتى وصل إلى حالته الراهنة في شكل أحادي القطب. فشكل النظام الدولي السابق كان يتمتع بطبيعة الثنائية القطبية الذي ينقسم إلى معسكرين غربي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.
والتي تمثل الفكر الرأسمالي، مقابل المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي الذي يمثل الفكر الشيوعي. في ذلك الوقت كانت الصين منحازة إلى المعسكر الشرقي كونها أحد أفراد المنظومة الشيوعية، وكانت حينها ملامح العداء والصراع الأيديولوجي واضحة بين المعسكرين وأشياعهما.
وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 وبقاء الولايات المتحدة الأميركية متفردة على عرش النظام الدولي، ما زالت الصين متمسكة بالنهج الشيوعي ولم تتخلَّ عنه، إلا أنه غلب عليها الطابع البراغماتي في مجال السياسة والاقتصاد. وبدأت الولايات المتحدة تأخذ الحذر من الصين التي كانت تنتهج سلوكاً سياسياً مغايراً للسلوك السياسي الأميركي.
وكان ذلك ظاهراً من خلال مواقفها السياسية المعلنة في سياستها الخارجية تجاه القضايا الإقليمية والدولية. ليس هذا فحسب، بل إن التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم تتيح فرصة غير مسبوقة لبعض القوى الدولية الصاعدة نحو قمة النظام الدولي حيث يسعى كثير من الدول العظمى اليوم إلى دفع هذا النظام نحو التعددية.
إن بروز الصين كلاعب نشط وقوي على الساحة الدولية أقلق الولايات المتحدة الأميركية، فالسياسات الصينية لا تتفق تماماً مع كل ما تطرحه الولايات المتحدة في أجندتها السياسية. والمواقف السياسية بين الطرفين تتسم بالاختلاف في كثير من القضايا مثل: البرنامج النووي الإيراني، الملف النووي لكوريا الشمالية، الصراع العربي الإسرائيلي، غزو العراق،... إلخ.
ومن خلال قراءة الواقع السياسي العالمي نجد اختلاف المواقف بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، فالأولى تنتهج القوة والجانب العسكري كحل حاسم لقضايا الخليج السياسية والأمنية، أما الصين فهي لا تحبذ سلوك هذا الطريق، بل على نقيض ذلك تفضل اختيار الحل السلمي والدبلوماسي من أجل ضمان استمرارية تدفق النفط والغاز إليها، مع الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع دول المنطقة إضافة إلى عدم الرغبة في إغضاب الولايات المتحدة ومصادمتها. وهذه المواقف المختلفة ناتجة عن الأيديولوجيات السياسية المختلفة التي تخلق تبايناً واضحاً في موقف الصين تجاه بعض المتغيرات الإقليمية والدولية.
كما تعتبر سياسة الصين الخارجية في الوقت الراهن أكثر مشاركة وتحركاً من أي وقت مضى، حيث إن سجلها حافلٌ بكثير من المشاركات على الساحة الدولية والإقليمية. والصين حسب طبيعة سياستها، تحاول أن تتجنب الصدام مع الولايات المتحدة محاولة بذلك خلق توازن في سياستها الخارجية. لذلك نجد أن الصين تربطها علاقات بإسرائيل، الأمر الذي قد يؤدي إلى التخفيف من حدة التوتر بين الصين وأميركا.
إن حجم قوة الصين جغرافياً وديمغرافياً وعسكرياً، يجعل منها قوة قادمة من الدرجة الأولى، فطموحاتها العالمية واقتصادها القوي ودبلوماسيتها المميزة قد تعبد لها الطريق الممهد نحو اعتلاء عرش النظام الدولي الجديد. وإن القوى العالمية اليوم مهتمة كل الاهتمام بالشأن الصيني، وتحاول جاهدة رصد تحركات السياسة الخارجية الصينية، من أجل فهم سياسة الصين تجاه الشؤون العالمية. فمواقفها السياسية تلعب دوراً فعالاً ومؤثراً في المعادلات السياسية والقضايا العالمية.
كاتب وباحث في العلوم السياسية