حين يصبح الإصلاح ضرورة ماسة وحاجة ملّحة، وحين تكون الديمقراطية مساراً كونياً تحكمه قواعد عامة وخصوصيات لكل بلد لناحية تطوره، لا تعود المسؤولية على الحكام وحدهم، رغم أن دورهم حاسم في دفع عجلة الإصلاح والتطور الديمقراطي أو تأخيرها.
فمسألة الإصلاح والديمقراطية تعني الجموع الواسعة من السكان التي تعاني من التهميش والفقر والحرمان وشحّ الحريات، وبخاصة حرية التعبير والحق في التنظيم والحق في المشاركة السياسية، الأمر الذي يستوجب من النخب الفكرية والسياسية.
في السلطة أو خارجها (بما فيها معارضتها)، وقفة جدّية للمراجعة وتلمس الطريق الصحيحة للسير في دروب التطور التدريجي التراكمي للإصلاح والديمقراطية، لا باعتبارهما ترفاً فكرياً أو رغبة لهذا ألفريق أو ذاك، بل لأنهما فرض عين وليس فرض كفاية كما يقال، بعد أن سادت مظاهر العنف والإرهاب والتشظي المجتمعي والانقسام الفئوي والغلو الديني وغير ذلك.
استحقاقات جديدة أفرزها انهيار نظام القطبية الثنائية وانتهاء عهد الحرب الباردة، كان في مقدمتها: الإقرار بالتعددية واحترام حقوق الإنسان واقتصاد السوق، وذلك كجزء من صيرورة كونية جمعت ثنائية الداخل والخارج على نحو عضوي.
وقد سادت منذ التغييرات العاصفة التي حصلت في أوروبا الشرقية (أواخر الثمانينات)، رغم أنها اتخذت طابعاً مخملياً وبخاصة بعد سقوط جدار برلين، مصطلحات من قبيل الإصلاح القسري والإصلاح الطوعي، أو الإصلاح بالقوة والإصلاح باللين، أو الإصلاح العنفي والإصلاح السلمي، أو الإصلاح الثوري والإصلاح التدرّجي أو الإصلاح المنفلت والإصلاح المنضبط أو الإصلاح الفوقي والإصلاح التحتي، وكل ذلك له علاقة بثنائية الإصلاح الداخلي والإصلاح الخارجي.
وشغلت هذه المصطلحات الحركات السياسية والفكرية والدينية، والتيارات الثقافية والاجتماعية، والنخب الحاكمة والمعارضة، لدرجة انه لا يخلو خطاب سياسي أو ثقافي أو فكري أو ديني، من محتوى وجوهر ألفكرة الإصلاحية والديمقراطية، حتى وإن كان شكلياً، تأكيداً على تبنيّه أو دفعاً باتجاه نفيه عن الآخرين أحيانا أو استغلالاً له لأغراض خاصة.
كانت اليمن من أولى البلدان العربية التي شملتها موجة الحوار والجدل، وخصوصاً بين الحكومة والأطراف السياسية المتحالفة والمعارضة، فضلاً عن مؤسسات المجتمع المدني، وذلك عشية إبرام الوحدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي، وفيما بعد ما رافق تطورها من تحديات وعقبات واستعدادات، وخصوصاً بتأكيد التوجه نحو إجراء انتخابات تعددية وتطور في ميدان حرية التعبير، والترخيص لمؤسسات المجتمع المدني التي أظهرت قدرة كبيرة على التطور وعلى لعب دور ايجابي.
وقد شهدت صنعاء عدداً من المبادرات والمؤتمرات المهمة على الصعيد الداخلي والدولي، وكان إنشاء وزارة خاصة لحقوق الإنسان والانضمام إلى العديد من المعاهدات والاتفاقات الدولية والشروع بنشر ثقافة حقوق الإنسان، أمرا في غاية الأهمية لفتح الطريق للتطور القانوني السلمي، وتطويق مظاهر العنف والإرهاب، رغم انفلاتها بين الحين والآخر.
وتسنّى لي شخصياً العمل مع العديد من قادة المجتمع المدني، وهم نخبة متميزة من أمثال: عز الدين الأصبحي ود. محمد عبد الملك المتوكل وأمل الباشا ود. محمد المخلافي ود. عبد الكريم الإرياني وعشرات غيرهم، مثلما العديد من المسؤولين الحكوميين مثل وزيرة حقوق الإنسان السابقة أمة العليم السوسوة ود. خديجة الهيصمي ود. محمد الطيب عضو مجلس الشورى وعشرات غيرهم، ولمست لدى الجميع حرصاً شديداً على إنجاح التوّجه نحو الإصلاح والديمقراطية وإنضاج ظروف تطورهما.
وكان انعقاد المؤتمر الدولي في صنعاء بالتعاون مع منظمة «لا سلام بدون عدالة»، التي ترأسها إيما بونينو عضو البرلمان الأوروبي ووزيرة الاتحاد الأوروبي مؤخراً، انطلاقة جديدة في دعم المسار الإصلاحي الديمقراطي على المستوى العربي، ولعل اختيار اليمن كمنسق للمنطقة العربية له أكثر من دلالة، خصوصاً لجهة تطور دور مؤسسات المجتمع المدني.
فقبل أسابيع ائتلفت في صنعاء كوكبة من الشخصيات الفكرية والثقافية المنشغلة بقضايا الحقوق والحريات، لتعلن عهداً عربياً للديمقراطية مؤسسةً رابطة عربية للديمقراطية. وقد حضرت الاجتماع التأسيسي بدعوة كريمة من الكريم عبد الكريم الإرياني الشخصية الحيوية الوسطية الاعتزالية.
مناسبة الحديث هذا هو استقبال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح مجموعة الشخصيات المؤسسة للرابطة العربية للديمقراطية، حيث بادرهم بأن اليمن لا تزال في بداية الطريق في الميدان الديمقراطي رغم أنها قطعت شوطاً فيه منذ أواخر الثمانينات. وأكد الرئيس أن الديمقراطية أصبحت ضرورة وانه مع العمل العلني الشفاف بعيداً عن التآمر، وأضاف: من يريد أن ينتقدنا وحتى يشتمنا عليه أن يفعل ذلك فوق الطاولة وليس تحت الطاولة، أي علناً وليس في الخفاء.
وفاجأ الرئيس اليمني محدثيه بالقول إنه مع «هايد بارك عربي»، وقال: نحن مستعدون لفعل ذلك في اليمن، أي هايد بارك يمني نخصص فيه يوماً في الأسبوع في ساحة عامة أو حديقة، لكي يقول فيه المواطنون ما يريدون وينتقدون على هواهم، وأضاف: نحن لا نخاف من الرأي ومستعدون أن نعدّل ونغيّر ونتلمس ما نراه صحيحاً من خلال انتقادات الآخرين.
تحرك في إحساس الإعلامي المعتق فوجدتها فرصة لكي انتقل من الحوار الخاص إلى العام فقلت: الجمهور اليمني وربما العربي بحاجة إلى أن يسمع منكم مثل هذا الحديث، فهل يمكن أن ننقله إليهم وحبذا لو كان في حوار تلفزيوني مباشر، خصوصاً وان الموضوع له علاقة بحرية التعبير التي ضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19.
والتي لا يمكن بدونها حتى الدفاع عن حق الحياة والعيش بسلام ودون خوف. فمن دون إقرار حرية التعبير، والحق في إشهار الرأي وحق الكلام وحق تلقي المعلومات ونشرها وإذاعتها، لا يمكن الدفاع عن بقية الحقوق الأخرى، التي تشكل منظومة لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص من بعضها.
وإذا كانت هناك عقبات جدّية في وجه الإصلاح والديمقراطية داخلياً وخارجياً حالت وتحول دون إحداث التغيير المنشود، فإن هذه المعوّقات تتداخل بشكل عضوي بين ثنائية الشراكة والقطيعة وبخاصة بعلاقة المجتمع المدني بالدولة، تلك التي التبست إلى حدود غير قليلة، وعلاقات المجتمع المدني بالسلطة والمعارضة والفاعليات الاجتماعية والثقافية والدينية، الأمر الذي عمّق سبل الافتراق والاحتراب وضاعف الهوّة بين التطور الدولي في هذا الميدان وبين القيود والكوابح التي لا تزال تعرقل التنمية والديمقراطية والإصلاح.
لعل الاحتكام إلى قواعد قانونية عقلانية وموضوعية، فضلاً عن تحمّل المسؤولية، هو الذي يمّكن النخب الفكرية والثقافية والسياسية من حشد الطاقات باتجاه إحداث نوع من التراكم والتطور التدريجي الطويل الأمد، بدلاً من الوصول إلى طريق اللاعودة والقطيعة بين الدولة والمجتمع المدني، المفضية إلى المزيد من التوترات والاحتقانات الداخلية.
واستنتاجاً من التجربة، يمكن القول انه إن لم يأت التغيير تدرّجياً «تراكمياً» وضمن مسار وانفتاح، فإنه قد يأتي عاصفاً ومدّوياً ويترك انعكاساته السلبية على أوضاع الحاضر والمستقبل، ناهيكم عن كونه يعطل أو يبعد الإصلاح الحقيقي، بل قد يساعد القوى المتنفذة على التدخل الخارجي، بما يؤدي إلى تقويض السيادة والاستقلال الوطنيين ويخضعهما للهيمنة والاستتباع والانصياع.
الحكومات بحاجة إلى شراكات حقيقية من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية والمهنية، للاضطلاع بدورها في عملية الإصلاح والديمقراطية، وهي مسؤولة أيضاً عن نجاح أو إخفاق عملية الإصلاح وان كانت مسؤولياتها بدرجات أدنى.
ويمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تتحول لتصبح قوة اقتراح وليست قوة احتجاج فحسب، من خلال تقديم مشاريع أنظمة وقوانين ولوائح للبرلمانات والحكومات بحيث تكون شريكاً فعّالاً، ولعل هذا ما قصده الرئيس علي عبدالله صالح حين تبنّى مشروع المعهد العربي للديمقراطية الذي أقرّته الرابطة العربية للديمقراطية، وتعهّد بعرضه على جامعة الدول العربية لاعتماده.
هكذا إذاً يصبح الإصلاح ضرورة ولا بدّ من الشروع فيه وولوج دروبه حتى وان كانت وعرة، لا الاكتفاء بإكثار الحديث عنه. الإصلاح سيقود في نهاية المطاف إلى التنمية والتضامن الاجتماعي والسلام المجتمعي، ويضع الأسس الصحيحة للحكم الصالح والديمقراطية من خلال المساءلة والشفافية وتداول السلطة سلمياً وسيادة القانون، ولا بدّ أيضاً أن يكون الإصلاح شاملاً ويستجيب لمصلحة الشعب، وان يكون سلمياً وتدرجياً وتطورياً ويضمن حقوق الإنسان وحرياته. فقضية الإصلاح وطنية وحقوقية وإنسانية، وهي بحاجة إلى فضاء رحب لاحترام حقوق الإنسان والأوطان!
كاتب ومفكر عراقي