فيما تجاهد أوساط عربية ودولية لرأب الصدع بين قطبي العمل السياسي الفلسطيني «فتح» و«حماس»، وتضييق فجوة الخلاف بين الحركتين بعد سيطرة حماس على قطاع غزة بالطريقة التي تمت بها، لا تزال أصوات «التشكيك» و«التخوين» تنطلق من هنا وهناك على الساحة الفلسطينية، ما يلقي بظلال قاتمة على آمال وحدة الصف الفلسطيني ويعرقل أي جهد عربي لجسر هوة الشقاق بين الأشقاء، قبل انعقاد المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش لإطلاق عملية السلام مجدداً في الشرق الأوسط.

فالأعمال الكيدية من هذا الطرف والممارسات غير المبررة من الطرف الآخر، تشوه صورة المقاومة برمتها فلسطينياً وعربياً وتعطي انطباعاً بأن التضحيات الفلسطينية تذهب سدى وأن النضال الفلسطيني طوال هذه العقود الطويلة من الزمن، لم يعد لدى البعض هو المعيار والأساس لتقييم العمل الوطني الفلسطيني وتحديد مساراته واتجاهاته.

وليست الوقائع في الميدان وحدها ما تزيد من تعميق الفجوة بين الحركتين، فمع كل محاولة فلسطينية لدعم الشرعية لتكون أساساً للتهدئة وإعادة توحيد جسدي الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، تخرج تصريحات من هذا الطرف أو ذاك تعيدنا إلى المربع الأول.

ولا تزال الحركتان تعيشان تناقضاً بين المصالحة ولغة الحوار من جهة والتشكيك من جهة أخرى. ففي حين تقدم «حماس» رسالة مفادها قبولها بالوساطة اليمنية الأخيرة والتي تستند على مبدأ احترام الشرعية الفلسطينية، جدد الناطق باسم «فتح» أحمد عبد الرحمن التأكيد على تبعية «حماس» للأطراف الخارجية، ليرد أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء الفلسطيني المقال بوصف الرئيس الفلسطيني بأوصاف لا تليق، ومؤكداً أن المصلحة الوطنية تستدعي أن يقدم استقالته، بينما رفض اعتبار جهود الوساطة ذات جدوى.

وهنا يثور السؤال مجدداً.. لمصلحة من يتم إحباط كل جهود التهدئة بين «فتح» و«حماس» واستمرار التشكيك في شرعيتهما؟

إن واجب القوى السياسية الفلسطينية، بكل اتجاهاتها ومواقعها أن تبادر إلى إعادة النظر في مجمل الحالة الفلسطينية وما تستوجبه من رأب الصدع وتقريب المواقف، كحد أدنى إن لم تستطع توحيدها، من اجل المصلحة العامة الواحدة للشعب الفلسطيني، ولكي تكون قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة والمتعاظمة في أدق الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما يتعرض له هذا الشعب الأبي من ممارسات الاحتلال التعسفية اليومية، والتي لا تميز بين أنصار فتح أو أتباع حماس أو غيرهم من فصائل وقوى المقاومة الفلسطينية، ولا تستثني حتى الأطفال والرضع.

إن كل الأشقاء والأصدقاء يعتصرهم الألم والحزن على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حصار ظالم ومن اجتياحات ومداهمات وحملات اعتقال من قبل قوات الاحتلال في مختلف المناطق الفلسطينية، غير أن أي جهد عربي أو دولي لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني، أو لتحريك عملية السلام في اتجاه حل عادل يعيد لهذا الشعب حقوقه ويمكنه من إقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشريف، لا يمكن أن يثمر وقد يكون من الصعب أن ينطلق أساساً، في ظل التنافر والانقسامات داخل الساحة الفلسطينية وبين القوى الرئيسية فيها بشكل خاص.

لذلك فإن على القوى السياسية الفلسطينية أن تخطو الخطوة الأولى نحو التوافق والتلاقي على أسس وطنية سليمة، تغلب المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على ما عداها من مصالح حزبية أو فئوية، وحينها سيجدون كل الأشقاء والأصدقاء إلى جانبهم، بكل ما يستطيعون من دعم ومساندة.. وإلا، فلا أحد يمكن أن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.