لطالما كان التشابك والترابط سيد الموقف في العلاقات الدولية، بحيث لا يمكن فهم أي عنصر من عناصرها بمعزل عن فهم بقية عناصرها الأخرى المكونة لمجموع هذه العلاقات التي لا تستقر، بطبيعتها، على حال. ولطالما كانت محاولة بلوغ رؤية سليمة أقرب إلى الواقع، تتطلب الولوج إلى أكبر عدد ممكن من تلك العناصر وتشخيصها بدقة، بغية إماطة اللثام عن الصورة الحقيقية لمجريات حدث ما والدوافع التي تقف وراء سلوكها هذا المسار أو ذاك دون غيره.
وعلى الرغم من أن التوجهات الروسية الحالية الساعية إلى استعادة دور موسكو الإقليمي والعالمي كقوة عظمى لها كلمتها في الشأن الدولي، لا تزال في مهدها أو في طور الاستعداد والتحضير والإعراب عن النوايا، أكثر مما هي ممارسات عملية مجسدة على أرض الواقع، على أهمية ما تم تحقيقه حتى الآن، إلا أن السياسة الخارجية الروسية لم تبدأ بإعطاء ثمارها الأولى فحسب، بل إن هذه الثمار راحت تفعل فعلها على عجل أيضا.
صحيح أن تلك الثمار محشوة بالسموم ولا تتعدى كونها مناورات سياسية المراد منها حرف الأنظار وكسب مزيد من الوقت ورمي المسؤولية على كاهل آخرين، إلا أن الأمر يستحق الوقوف عنده لما ينطوي عليه من مؤشرات ربما تدل على أن أصحاب القرار في الدوائر الصهيو ـ أميركية باتوا بصدد مراجعة نهجهم السياسي المدمر والمتواصل منذ عقود من الزمن في بقاع كثيرة من العالم.
الثمرة الأولى، التي تخص العالم العربي ويمكن إدراجها ضمن تلك المراجعة، تتمثل في قرار الأمم المتحدة الأخير المتعلق بالوضع في العراق والداعي إلى المصالحة والحوار على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتوسيع دور المنظمة الدولية هناك. أما الثمرة المسمومة الثانية الأبرز، فإنها تتمثل في دعوة الرئيس بوش لعقد «مؤتمر» سلام حول الشرق الأوسط في الخريف المقبل.
لكن الجميع يدرك أن قرار الأمم المتحدة ذاك ما كان له أن يرى النور لولا موافقة الإدارة الأميركية بشكل مسبق عليه، مع العلم أن هذه الموافقة لم تأت استجابة لما تدعيه واشنطن حول السعي لإرساء دعائم الاستقرار في بلاد الرافدين، أو نتيجة الأوضاع الصعبة التي تواجهها القوات الأميركية في المستنفع العراقي فحسب، بل إنها تأتي متزامنة مع القلق الأميركي الواضح حيال التوجهات الروسية الساعية بقوة إلى تعديل ميزان القوى المختل إلى حد كبير على المستوى العالمي، وهي بالتالي انعكاس لنظرة واشنطن الاستشرافية حول مستقل ليس بالبعيد عنوانه الرئيس عودة روسية قوية إلى الساحة الدولية.
الأمر نفسه ينسحب على دعوة بوش لعقد مؤتمر للسلام، والتي لا تستند بالطبع إلى نظرة أميركية واقعية لتطورات القضية ألفلسطينية وضرورات وضع حد لمعاناة الشعب ألفلسطيني، إذ أنه لا أحد يشك للحظة واحدة أن تلك الدعوة لا تخرج عن إطار المناورات الصهيونية التي لا ترقى، في أحسن الأحوال، إلى أكثر من محاولة للتدخل السافر في الشأن ألفلسطيني الداخلي.
أي أنه لا مجال للشك في الأسباب المباشرة التي تقف وراء هذه الانعطافة الصورية في سياسات الولايات المتحدة في العالم عموما، وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص. لكن ثمة حقيقة ساطعة، تمثل أمام ناظر واشنطن أولا وأمام مجموع تحالفاتها الدولية ثانيا، وهي أن الدب الأبيض بدأ يطل برأسه من جديد على خارطة العالم الجيوسياسية، وأنه متعطش لنيل نصيبه من الكعكة الكونية المشتهاة، والتي لا توزع إلا على أساس مدى قدرة كل لاعب في الساحة الدولية على فرد عضلاته واستخدامها عند اللزوم.
هذا الوضع الدولي الطارئ يفرض على الولايات المتحدة، المتفردة بتلك الكعكة منذ ثلاثة عقود تقريبا، مراجعة المواقف وتدقيق الحسابات، وحتى تغيير السياسات ومسارات الأحداث وتطوراتها في مناطق العالم الساخنة، لمحاولة لملمة الأوراق وإعادة حشد القوى وترتيب التحالفات والائتلافات، تمهيدا لوضع استراتيجية تتناسب والمعطى الدولي الجديد الذي يؤشر إلى أن الاتحاد الروسي، وبعدما راح الانتعاش يدب في شرايين اقتصاده إثر موجة صعود أسعار النفط، لا يدخر جهدا ولا فرصة إلا ويؤكد حضوره من خلالها في شتى الميادين، وفي مقدمتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.