في مقالي أمس الأول تحت عنوان «عن الهوية.. سؤال» أكدت أن سؤال الهوية يطرح نفسه على منطقتنا الممتدة من المحيط إلى الخليج، ودعوت الجميع من كل الأطياف إلى البحث عن الإجابة الملائمة عن الصيغة الفكرية والواقعية الجامعة للهوية الوطنية، وصولا إلى مجتمعات وطنية يكون للجميع فيها ما للجميع من حقوق، وعلى الجميع فيها ما على الجميع من واجبات، كمواطنين متساوين أحرار، في وطن حر واحد.
ومن بين ما تلقيته من ملاحظات وتعليقات قيمة من عدد من القراء الأعزاء، وجدت في رسالة الأستاذ الزميل الكاتب العربي السوري حسين العودات ما يثري الحوار حول هذا الموضوع، ويعبر عن بعض ما وصلني من تعليقات، لذا رأيت نشرها تعميما للفائدة وبحثا عن الحكمة التي تبقى «ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها»®®.
قرأت مقالكم حول سؤال الهوية، ولي الملاحظات التالية:
1 ـ أحسنتم باختيار هذا الموضوع لأنه من أكثر المواضيع أهمية في أيامنا الراهنة، خاصة مع ما يجري في العراق ولبنان والسودان والجزائر وغيرها من البلدان، وحيث تختلط تعابير ومعانٍ ومضامين الهوية مع الجنسية مع الدين مع الاثنية، مما هيأ المناخ للتناقضات والصراعات وربما الحروب الأهلية بسبب تداخل هذه المفاهيم.
ويبدو لي أننا بأشد الحاجة لدراسة هذه التعابير ومعانيها وفهم مضامينها أكثر من أي وقت مضى، انسجاماً مع معطيات عصرنا الحالي، وتضافر جهود أنظمتنا السياسية وأحزابنا وقوانا السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والثقافة لاستكشاف مفاهيم جديدة مناسبة لتطورنا بما يساعدنا على حل التناقضات الناجمة عنها، وترسيخ هذه المفاهيم في عمق ثقافة شعوبنا وممارساتها.
2 ـ أعتقد أن المفهوم الوحيد في الدولة الحديثة المعاصرة الذي يمكن أن يكون مرجعية للجميع هو مفهوم المواطنة (الجنسية)، فالدولة الحديثة تعترف بالمواطن الفرد الحر المتساوي، وعليه فإن مفاهيم الهوية مهما كان نوعها تندرج في إطار المواطنة التي تعتبر المرجعية الأولى والأخيرة للناس جميعاً، وهذا لا يلغي الهوية وإنما يغني المواطنة بهويات متعددة متعايشة.
ومن المعلوم تلازم مرجعية المواطنة مع مفاهيم المساواة والحرية والعدالة والتعددية والديمقراطية، وليس غير المواطنة بقادرة على تحقيق ذلك وبالتالي تحقيق المساواة بين هويات المواطنين واحترام ثقافاتهم وخصوصياتهم، وعليه فإن الهوية العربية أو الكردية أو الأمازيغية إنما تتفاعل في إطار هذا المفهوم ومن الصعب أن تتعايش في ظلال أي مفهوم آخر.
3 ـ إن لم نقبل المواطنة كمرجعية وحيدة، فإنما نترك المجال مفتوحا للانتماءات القبلية والدينية والطائفية والمناطقية وغيرها لتكون مرجعيات بديلة، وهذا يمزق المجتمع والمواطنة بدلاً من أن يوحدهما، ويشكل قنابل موقوتة لا نعرف متى تنفجر ولعلها تتفجر الآن في بلدان عربية عديدة، ولا يعتد بأية مرجعية غيرها كي تكون عامل ربط وتفاعل بين القوى الاجتماعية أو القومية أو الدينية أو غيرها.
4 ـ لا أعني بالمطلق إلغاء الهوية أو القومية أو الدين أو ما هو بحكمها، وإنما اعتقد أن أياً منها غير صالح ليكون وحده مرجعية أمام التعدد القومي والديني والمذهبي في بلادنا، وليس غير مرجعية المواطنة قادرة على توحيد الجميع واحترام خصوصياتهم وثقافاتهم وتحقيق التفاعل بين هذه الثقافات والقوميات من أجل مصالح واحدة موحدة تؤهلهم للعيش المشترك والسلام الاجتماعي».
ومع كل الاحترام لملاحظات الأستاذ حسين العودات القيمة والتي لا خلاف كبيرا حولها، فربما أرى أن المرجعية أية مرجعية عليا أو وحيدة للهوية لا بد أن تكون جامعة لعدة مرجعيات فرعية، وأن المواطنة التي تشكل مرجعية قانونية لعلاقة المواطن بالوطن لا تلغي هويته الدينية أو القومية أو المذهبية، وإنما تجمعها في إطار التعددية بضرورة العيش المشترك المتساوي والحر ضمن الوطن الواحد.
بينما تتراءى لي المرجعية الثقافية العربية هوية قومية للتنوع في إطار التوحد القومي، وليست للتعدد في إطار الانتماء الوطني، وهى بهذا البعد الأوسع لا تشكل القاسم المشترك الأعلى والإطار الجامع لعدة هويات دينية داخل الوطن القطري الصغير (الجزء) فقط، بل لعدة أوطان قطرية داخل الوطن العربي الأكبر (الكل).
كما أميل إلى الظن بأن المرجعية الحضارية الإسلامية للهوية هي مرجعية أعلى تتوحد في إطارها كأمة عدة قوميات جامعة لعدة وطنيات، تعترف بالتنوع الديني والقومي وتدعو للتعايش والتعاون والتسامح، وتؤكد المواطنة في كل وطن بعلاقة متساوية حرة وعادلة بين جميع من يستظل بمظلتها كمواطنين، حيث للجميع ما للجميع من حقوق وعلى الجميع ما على الجميع من واجبات.