منذ انطلاقها في منتصف الستينات نحت الحركة الوطنية الفلسطينية نحو تغليب اللغة الشعاراتية ـ العاطفية والتعبوية، التي تتسم بالإرادوية والذاتية، في خطاباتها السياسية، وذلك على حساب اللغة الواقعية، التي تغتني بالأفكار وتطرح القضايا، وتفكك الإشكاليات، وتشتغل على الإمكانيات وتطور المعطيات.

ولعل الواقع الفلسطيني، اليوم، بما آل إليه من خلافات وانقسامات، يعبر عن استهلاك الحركة الفلسطينية لأوضاعها وبناها وأشكال عملها، كما الخطابات والمصطلحات والشعارات التي تأسّست عليها. معلوم أن الساحة الفلسطينية اصطكّت كثيراً من المصطلحات والشعارات التي باتت بمثابة بديهيات في الفكر السياسي السائد، إلى درجة بات يعصب وضعها في مجال الفحص والتفكيك والنقد، لتجاوزها أو للبناء عليها، بسبب ضعف الحراك الداخلي في هذه الساحة، وتدني قابليتها لنقد السائد من بنى وأفكار وشعارات وأشكال عمل. ويمكن تبين ذلك، مثلاً، في المصطلحات التالية:

ـ مصطلح الثورة الفلسطينية: في الحقيقة فإن الساحة الفلسطينية لم تعرف من هذا المصطلح إلا شكلياته، ولكنها لم تشتغل على تكريس معناه أو مضامينه في بناها وشعاراتها وأشكال عملها، وبديهي أنها لم تنقل موجباته إلى المجتمع الفلسطيني. وبالنتيجة فإن هذه «الثورة» كرست البنى العائلية والعشائرية والمناطقية، في المجتمع الفلسطيني، وعززت علاقات المحسوبية والزبائنية، على حساب الانتماء الوطني والسياسي، وعلى حساب العلاقات المدنية ـ الديمقراطية.

وعلى صعيد الفكر فقد كرست هذه «الثورة» السياسة باعتبارها حقلاً لتجاذب الشعارات والعواطف، وليس باعتبارها تتأسس على موازين القوى والمعطيات السياسية المحلية والإقليمية والدولية. وهذه «الثورة» بدلاً من أن تعتمد على الشعب، جعلته يعتمد عليها وفق صيغ «التفرغ»، ما خلق مجتمعاً فصائلياً على هامش المجتمع الفلسطيني في الداخل كما في الخارج.

ـ مصطلح الوحدة الوطنية: وهنا ثمة خلط متعمد (غالباً)، بين مفهومين متمايزين، هما: وحدة الشعب، ووحدة الفصائل. والواقع أن طرح قضية الوحدة الوطنية يفترض مسبقاً غيابها، ما يعني أن الشعب الفلسطيني مختلف على نفسه، سياسياً أو طبقياً أو طائفياً أو ثقافياً، أو في أكثر من عنصر من هذه العناصر؛ في حين أن الوضع يختلف عن ذلك تماماً. وفي الحقيقة فثمة توحد على درجة كبيرة في جوانب الحياة النفسية والثقافية والقانونية والسياسية للفلسطينيين. وليس ثمة خلاف في العقل الجمعي عندهم على كون فلسطين وطناً تاريخياً لهم، ولا على المظالم التي وقعت عليهم من قبل الحركة الصهيونية، جراء اغتصاب وطنهم وتشريدهم وحرمانهم من هويتهم، ولا خلاف على انتمائهم إلى أمتهم العربية.

بمعنى أن غياب وحدة الفصائل لا يعني بالضرورة غياب وحدة الشعب، مع أن الأولى تغني الثانية. وعليه فإن الحديث عن الوحدة الوطنية، يخبئ في مضامينه صراعاً على التمثيل، أو على السلطة، في الساحة الفلسطينية، بسبب افتقادها لحياة سياسية حزبية وتمثيلية حقيقية، بحكم سيادة أشكال العمل الفصائلية ـ العسكرية، وسياسات التفريغ وسيادة العلاقات الأبوية على حساب العلاقات الديمقراطية الممأسسة.

واللافت أن الفصائل هي المسؤولة عن التفكك الحاصل في الساحة الفلسطينية، وعن إضعاف وحدة الشعب الفلسطيني، بسبب خلافاتها السلطوية المجانية. هكذا فإن انقسام السلطة، وما حدث في غزة (في يونيو 2007)، أضاف إلى الانقسام الجغرافي بين قطاع غزة والضفة، انقساماً سياسياً وديمغرافياً!

ـ مصطلح حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد: وقد أثبتت التجربة أن الساحة الفلسطينية لم تعرف هذا المصطلح بالممارسة، ولا في مكان. فقد تلخصت التجربة العسكرية الفلسطينية بأحسن أحوالها في نوع من حرب العصابات (من الخارج إلى الداخل) وعمليات في الداخل؛ في حين نتجت عن التواجد العسكري في الخارج مظاهر واحتكاكات أثرت سلباً على الحركة الوطنية وعلى الفلسطينيين.

وعموماً فإن هذه التجربة لا تشبه تجربة أخرى، بسبب ظروف العمل الفلسطيني. والأنكى أنه لم يجر توثيقها ولا دراستها ولا تقييمها، برغم التضحيات أو الإمكانيات والثمن الفادح الذي بذل لها. وكما بات معلوماً فإن القيادة الفلسطينية كانت تتوخى من هذه العمليات تعويم القضية الفلسطينية في الإعلام، وإبراز الحركة الفلسطينية في معادلات الشرق الأوسط، أكثر بكثير من توجيه ضربة عسكرية لإسرائيل. وفي ذلك فإن تجربة الانتفاضة (الأولى والثانية) هي التجربة النضالية التي يمكن تسجيلها في سجل الكفاح الفلسطيني المعاصر.

ـ مصطلح الشرعية الثورية: وهو نظام المحاصصة «الكوتا» الفصائلي. وهذا النظام يختزل الشعب بالفصائل، وينصبها وصياً عليه، ولا يولي اهتماماً لائقاً للشرعيات المنبثقة منه، في عمليات انتخابية. وفي هذا العرف فإن الشرعية تنبثق أساساً من البندقية. أما في حيّز الممارسة فيمكن ملاحظة أن هذه الشرعية لا تستمد بالضرورة من توجيه البندقية نحو العدو، أو من ممارسة الكفاح المسلح ضده، فقط.

فثمة عديد من الفصائل بنت شرعيتها من وجود جماعات مسلحة لديها، بغض النظر عن مدى ممارستها للكفاح المسلح ضد العدو. الأنكى أن المتحكمين في العمل الفلسطيني لم يدركوا تماماً حقيقة مفادها أن المقاومة، في حال الفلسطينيين، لا تقتصر على الصراع ضد العدو، وأنها تشتمل على متطلبات بناء المجتمع، بتعزيز وحدته وبناء مؤسساته وتطوير إمكانياته وترسيخ كيانه.

ـ ديمقراطية غابة البنادق، والسياسة تنبع من فوهة البندقية: وقد بينت التجربة أن المبالغة في البعد العسكري تؤدي إلى اختزال البعد المدني ـ الشعبي، وأن الديمقراطية الفلسطينية كانت مجرد ديمقراطية كلامية، شكلية، لافتقادها لحياة حزبية ولحراك سياسي داخلي، ولمسألة التمثيل والانتخابات وتداول السلطة.

والثابت أن الديمقراطية والبندقية (بمعناها كسلطة قسرية زجرية متّجهة للداخل) لا يلتقيان ولا يندمجان ولا يتناغمان. ولطالما افتقدت الساحة الفلسطينية، على خبراتها وتعدديتها، للفكر السياسي النقدي وللرأي الآخر، وللمساجلات السياسية الفكرية في أطرها القيادية التشريعية، في وقت باتت فيه الكلمة للرصاصة والبندقية، وللأجهزة الأمنية، في ظل بنى سياسية أبوية وراكدة.

والنتيجة أن الكفاح المسلح الفلسطيني تجاوز توظيفاته الوطنية (ضد العدو)، وباتت له وظائف داخلية، تتمثل في تعزيز قوة الفصيل المعني، وضبط العلاقات الداخلية، والقيام بوظائف سلطوية في المجتمع الفلسطيني حيث أتيح ذلك، وشاهدنا ما حدث في قطاع غزة. ولا شك أن ذلك أسهم، بين أشياء أخرى، في تدنّي مستوى الوعي السياسي وإضعاف علاقات الديمقراطية والمشاركة، وطغيان ثقافة العنف الداخلي، في إطار الحركة الفلسطينية.

ـ منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني: وفي الواقع فثمة كلام كثير عن تفعيل المنظمة وإعادة الاعتبار لها، في حين أنه في الواقع ثمة تواطؤ من الطبقة السياسية الفلسطينية (في السلطة والمعارضة) على طمس كيان المنظمة وتغييب دورها. والجدل حول المنظمة يطرح أسئلة، من ضمنها: هل ثمة إرادة سياسية عربية ودولية لتفعيلها، بعد أن تآكلت وغابت، أو غيّبت، لصالح الكيان المتمثل بالسلطة في الضفة والقطاع؟

ثم هل تبدو القيادة الفلسطينية (في السلطة والمعارضة) قادرة، أو راغبة، بالمضي في هذا الاستحقاق لنهايته؟ وهل ما زال للمنظمة دور تستطيع أن تلعبه، وهي التي تنتمي إلى زمن عربي وفلسطيني مختلف؟ وهل ما زال لفلسطينيي الشتات دور يلعبونه في السياسة الفلسطينية، بمعطياتها الحالية، مع وجود السلطة الفلسطينية؟

هكذا فثمة كثير من المصطلحات التي تحتاج إلى مزيد من التفحص والمراجعة والنقد وتعيين الثمن الذي تم دفعه في سبيلها.

ويمكن القول هنا ان اللغة الشعاراتية ـ العاطفية السائدة في الساحة الفلسطينية، والتي تخاطب غرائز الجماهير (البسيطة والمغلوبة على أمرها) أكثر من عقلها، والتي تحث على بذل التضحيات أكثر مما تسأل عن الإنجازات، إنما سادت لفترة طويلة، بفضل عوامل عدة، ضمنها أنها استمدت شرعيتها ومبررات استمرارها من صعود الفكرة القومية، ومن البعد الديني والمقدس لقضية فلسطين، ومن تخلف التجربة السياسية، وغياب الفكر النقدي، وضعف الحراك السياسي في الساحة الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org