في الولايات المتحدة الأميركية وكما هو معروف، تظل القضايا الداخلية مفصلاً رئيسياً للمترشحين للرئاسة، فالحديث عن الاقتصاد والتعليم عاملان أساسيان في تحديد هوية الرئيس الجديد، وهذا ما جرت عليه العادة في حملات الترشح لمقعد أهم رئيس دولة في العالم.
عندما ترشح الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش في بداية حكمه ليكون رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، أطلق حملته السياسية وكان بينها برنامج لتصحيح أوضاع التعليم وتطويره في الولايات المتحدة، وكان الشعار يقول (No child left behind).
هذا الشعار كان موجهاً نحو تصحيح أوضاع تعليم الأطفال هناك. الحقيقة انه ثبت بعد هذه الفترة من حكم الرئيس بوش الابن أن هذا الشعار يبدو صادقاً، ولكن ليس في المؤسسات التربوية وإنما في المؤسسات العسكرية، فإذا استمرت الولايات المتحدة الأميركية بطريقتها في التعامل مع العالم، فلن يترك طفل أميركي في الخلف دون أن يشارك في حرب خارج أرضه، ودون أن يحمل الكثير من أبناء الولايات المتحدة في توابيت الموت.
ما دعاني إلى قول هذا الكلام هو تلك النغمة المطردة التي يمارسها مرشحو الرئاسة الأميركية خلال حملتهم هذه الأيام، حيث جدّد المرشح للرئاسة الأميركية النائب الجمهوري توم تانكريدو تهديده بقصف الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة بالسلاح النووي، «بهدف ردع «القاعدة» عن مخططاتها للحصول على أسلحة نووية لمهاجمة الولايات المتحدة». الكل يدرك أن تلك دعاية انتخابية بحتة تتغير فيها الأفكار عندما تصبح حقيقة على الواقع، فالسياسة الأميركية التي تستخدم أسلوب التهديد بهذه الطريقة تكشف للناخب والمتابع الطريقة التي يفكر بها أولئك المتسابقون على الرئاسة.
من حق أميركا أن تدافع عن نفسها بالطريقة التي تراها، ومن حقها أن تحزن على ضحايا الحادي عشر من سبتمبر الذين حزن عليهم العالم كله، فالوسيلة التي تم بها الهجوم كانت مرعبة للجميع وخالية من كل القيم الإنسانية. ولكن المبالغة أيضاً في أسلوب الدفاع وطريقته أمر مهم لفهم الحالة، فالمبالغة منهجية تثير الناخب الأميركي لمنح صوته هنا أو هناك. الناخب الأميركي اعتاد المبالغة الإعلامية حول قضاياه الداخلية وخاصة في مراحل السباق إلى البيت الأبيض، ولكن هذه المرة من الواضح أن التهييج الإعلامي من النوع الثقيل الذي يمس ديانة أساسية في العالم (الإسلام).
معروف أن الناخب الأميركي كان يتميز بقلة المعرفة في السياسة الدولية حتى فتحت قضية العراق مكاناً لها في عقليته، فما يجري في العراق سوف يجر الناخب الأميركي إلى منطقة مهمة وأساسية في تحديد من هو الرئيس القادم لهذه الدولة، وقد تكون اللعبة بالعكس في حال كان احد المرشحين ماهراً في قلب موازين القضية لصالحه، خاصة وأن مستنقع العراق بحاجة إلى كيسنجر جديد على غرار فيتنام.
المبالغة في خطر القاعدة على الولايات المتحدة أمر واضح، وهذا لا يقلل من خطر القاعدة كعدو لأميركا والعالم بما في ذلك العالم الإسلامي، ولكن المنطق يقول إن دولاً هي اقل قدرة من الولايات المتحدة الأميركية واقرب إلى القاعدة جغرافيا من غيرها، لا تذهب لمثل هذا التهديد الذي تطلقه الولايات المتحدة، بل تحسب الأمر بواقعية وتتعامل معه بمنهج الحذر المنطقي.
تفصل أميركا عن القاعدة جغرافيا المحيطات وعشرات الآلاف من الكيلو مترات، بالإضافة إلى نظام الدخول المعقد الذي تفرضه الولايات المتحدة على راغبي الدخول إليها. فنظام الدخول إلى أميركا غير معروف القواعد والأساليب، والكثير من طالبي الدخول إلى الأراضي الأميركية ومن المرضي تحديداً، لا يستطيعون الوصول إليها ولو كان سبب ذهابهم ذا علاقة بحالة إنسانية ملحة.
المبالغة الأميركية في تضخيم خطر القاعدة عبر مرشحيها الجدد، هي التي أنشأت هذه النماذج من التصريحات التي سوف تكرس غضب الملايين من المسلمين في ردة فعل طبيعية، وهذا لن يخدم سوى مصالح الذين يرغبون في تأجيج حدة العداء بين الشرق والغرب، وتقليل فرص الحوار من اجل السلام العالمي.
إن كسب الولايات المتحدة عداء الشعوب الإسلامية تحديداً يعتبر مؤشراً خطيراً على الناخب الأميركي الذي سوف يضطر إلى إضافة عنصر جديد على أجندته السياسية الداخلية، ألا وهو مصير الجندي الأميركي في العراق وأفغانستان، بل سوف يواجه الفرد الأميركي من العالم نفس الشعور الذي تواجه به حكومته أينما كان.
التهديد بقصف مكة والمدينة ودولة باكستان، وهو شعار انتخابي بحت، حتى وان تم الاعتذار عنه سوف ينتج مزيداً من الحروب التي سوف تخوضها أميركا في بلدان مختلفة من العالم، وسوف يتزايد عدد الجنود العائدين إلى أميركا محمولين في تلك التوابيت الملفوفة بعلم وطنهم.
إن الولايات المتحدة التي تمثل نموذجاً للدولة الحضارية ويمثل شعبها نموذجاً لشعب متحضر، سوف تخسر هذه السمعة تدريجياً، ليس لأنها تعادي القاعدة والإرهاب فالعالم كله يعمل معها في الحرب على الإرهاب، ولكن لأنها تتجاوز الفكرة العدائية للقاعدة لتشمل بها كل مسلم بغض النظر عن طبيعة إسلامه، بل وتتوهم أن خوف القاعدة على مكة والمدينة سوف يثنيها عن مهاجمة أميركا كما يقول مرشحو الرئاسة الجدد!
الرمز الإسلامي المتمثل في مكة والمدينة ليس قضية سوف تثني القاعدة عن الذهاب إلى أميركا لو استطاعت، بل انه من الممكن أن تكون هذه الأفكار خدمة جليلة للقاعدة لو كرس مرشحو الرئاسة الأميركية دعواتهم للمساس ولو معنوياً بمقدسات المسلمين.
قد يحدث الاعتذار كما أسلفت عن مثل هذه التصريحات، وقد يتواصل الشجب من جانب المسلمين، ليس دفاعاً عن القاعدة ولكن بهدف إيضاح الخطأ الذي سوف يقع فيه الناخب والمرشح الأميركي من دعواته المتكررة للمساس بالإسلام تحت مسميات تم القطع بأنها ليست من الإسلام في شيء. فالقاعدة وما تمارسه من إرهاب لا يمكن أن يكون باسم الإسلام، مهما كانت المحاولات لوصم الإسلام بأعمال القاعدة.
إنني لست بارعاً في التحليل السياسي، ولكني استطيع القول إن هذه المرحلة من السباق الرئاسي في أميركا تكشف الانحراف السياسي الأميركي عن الخط الديمقراطي، فطغيان الفكر الديني في البيئة السياسية الأميركية يعكسه ذلك الخطاب ويكشف عمقه هناك. العالم اليوم ينتظر مرحلة يزول فيها اثر المحافظين الجدد من ثقافة السياسة الأميركية، ولكن المؤشرات تدل على أن السياسة الأميركية باتت بالفعل أسيرة لثقافة المحافظين الجدد، التي أدخلت الولايات المتحدة في دوامة الحروب غير المتعادلة.
بمعنى آخر، ان الولايات المتحدة تشن حروباً في دول متهالكة نسبة إلى قوتها، ولكنها تتورط أكثر مما لو كانت حروبها متعادلة. إن خبرة الولايات المتحدة السياسية لا تعكس مؤشرات ايجابية لصالح المنطقة العربية تحديداً، فهي تتمسك بمنهجية سياسية تختلط فيها الأيديولوجيات الفكرية مما يعني النظر إلى العالم وفق منظار واحد فقط.
دور الولايات المتحدة الأميركية يجب أن ينطلق من مبدأ المراهنة على الشعوب مثلما هو معمول به في المراهنة على الحكومات، فالشعوب الإسلامية تبحث عن مصداقية، وليس عن تهديد بهدم المقدسات وقصف المدن من دولة بات مرشحوها يتصرفون وكأن رهانهم لا يضع اعتباراً للإنسان وقيمه الدينية.
كاتب سعودي