الحقيقة الكبيرة الساطعة المدعمة بكم هائل من المعطيات هي أن «خنجر إسرائيل» مغروز دائما في جسم المفاوضات والتسوية والسلام والتعايش وغير ذلك من مصطلحات الاستهلاك التضليلي، فعملية السلام وصلت منذ زمن الى طريق مسدود تماما، وكل الاتفاقيات التي عقدت برعاية اميركية او دولية بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال، قد هوت وتفككت وتشظت بقوة مرعبة على صخرة بلدوزر القتل والتدمير والاستيطان.

والحقيقة الكبيرة الساطعة ان عملية السلام ماتت وانتهت تماما إسرائيليا، وان عملية المفاوضات باتت منذ زمن عقيمة تراوح مكانها فقط من اجل تضليل الرأي العام «والضحك على اللحى»، كما أكد لنا عميد البيت العربي عمرو موسى مرارا..

فأقطاب إسرائيل، من بن غوريون الى اشكول الى مائير الى بيغن الى رابين الى شامير الى باراك الى نتانياهو الى شارون وصولا الى اولمرت ثم عودة الى باراك، كانوا أعلنوا صراحة او مواربة او ميدانيا على الأرض، ان لا سلام مع العرب، وأن أوسلو ماتت، وأن التسوية الدائمة مع الفلسطينيين مستحيلة.

لذلك صدقوا الجنرال باراك حينما يسخر في تصريحاته الأخيرة من قصة «السلام» ومن المفاوضات الرامية إلى «تسوية سلمية» بين دولة الاحتلال والفلسطينيين، فقد نقلت صحيفة يديعوت احرونوت (10/8/2007) عن باراك قوله «انه لا يرى أي جدوى في الاجتماعات مع الرئيس محمود عباس»، منوها «بأن الجيش الإسرائيلي لن يخرج من المناطق خلال السنوات الخمس المقبلة»، مضيفا «أنه لا يثق بالقيادة الفلسطينية الحالية.

وهو لا يرى فرقاً بين فتح وحماس»، و«ان الاسرائيليين لديهم غريزة واضحة فلم يعد ممكنا تغذيتهم بالأوهام عن تسوية قريبة مع الفلسطينيين، فهنا لسنا اوروبا الغربية او أميركا الشمالية، فلن يكون ممكنا النظر في فكرة الانفصال عن الفلسطينيين قبل أن نجد السبيل للدفاع عن مواطني إسرائيل من كل الأغراض الطائرة من فوق رؤوسهم، من القسام وحتى صواريخ شهاب.

إذن، نحن أمام موقف باراكي واضح صريح فوق «الجدل السلامي السرابي» ينطوي على أهمية بالغة جدا، اذ وفق خطوط واحداثيات المشهد السياسي الإسرائيلي، فإن الجنرال باراك الزعيم المنتخب مؤخرا لقيادة حزب العمل، يعود الى قمة المشهد ليلعب دورا مركزيا في السياسات المستقبلية الإسرائيلية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في عودة باراك هو خطابه «الحربجي» المعهود على نحو اشد تطرفا وتماديا من نظرائه الآخرين، فهو يعود مدججا بسيكولوجيا القوة والعربدة العسكرية باعتبارها الطريق الى اي تسوية سياسية، اذ اعلن في كلمته امام مركز العمل أنه يسعى إلى ترميم واستعادة قوة الردع والحسم لإسرائيل (عن المصادر العبرية 2/7/2007)، مضيفا ان التسويات السياسية في الشرق الأوسط يمكن التوصل إليها فقط من موقع قوة.

وفصل باراك مفهومه بصورة أوضح قائلا: من الضروري أن ندرك أن التسويات في الشرق الأوسط يتم التوصل إليها من خلال موقع قوة، وانه يمكن أن نتوصل إلى السلام فقط في حالة كون إسرائيل قوية، وفقط حينما يدرك الطرف الآخر ويستوعب أنه من غير الممكن تدمير إسرائيل.

اعتبرت الولايات المتحدة ان التعليقات المتشائمة لباراك بخصوص التوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين لا تعكس موقف الحكومة الإسرائيلية، ولكن معطيات المشهد الإسرائيلي تقول غير ذلك وتعزز فلسفة باراك تجاه قضية السلام، فقد تحدثت صحيفة معاريف العبرية (3/8/2007) عن وجود خلافات عميقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير جيشه ايهود براك، وقالت في المجال السياسي، أصبح باراك معلما واضحا وصقريا إلى يمين اولمرت.

اما السلام الذي يريده باراك فيستند حسب اعتقاده الى أن إسرائيل أقوى دولة في محيط 1500 كيلومتر، والى ان إسرائيل دولة قوية جدا، وعندما أتحدث عن القوة لا اقصد فقط الجيش الإسرائيلي، وانما القوة الشاملة بدءا من معهد وايزمن وفرقة بات شيبع والفرقة الفيرهرمونية.. وصولا إلى المفاعل النووي في ديمونة.

وكان المحلل الإسرائيلي «الوف بن» قد اطلق على السلام الذي اراده باراك في عهده الاول كرئيس للحكومة الاسرائيلية اسم «السلام المسلح»، بينما قام السلام الذي اراده البلدوزر الصهيوني، شارون، على أساس اختفاء الطرف الآخر الفلسطيني سياسيا وحقوقيا كما أكد الباحث ميرون بنفنستي، وبعد أن يتم تفكيك البنية التحتية للإرهاب الفلسطيني، واستكمال بناء الجدار الذي اخذ يفرخ عشرات الجدران الأخرى.

وعلى درب باراك ربما يكون الجنرال شاؤول موفاز وزير الحرب الإسرائيلي في عهد شارون، قد كثف لنا في تصريحاته لصحيفة «يديعوت احرونوت» جوهر السياسات الاستراتيجية الصهيونية الإسرائيلية في قصة السلام، منذ نشأة الحركة الصهيونية مرورا ب«الدولة العبرية» وصولا إلى المشهد الراهن، فقد أعلن موفاز بعبارات صريحة واضحة قاطعة من شأنها ان تمسح كل الأوساخ المتراكمة على عدسات اولئك المروجين لثقافة السلام والتطبيع مع المشروع الصهيوني، إذا ما رغبوا في قراءة الحقائق كما هي:

لا اعتقد أننا من الممكن ان نتوصل مع القيادة الفلسطينية الحالية الى اتفاق سلام، وسنضطر لانتظار الجيل القادم من الفلسطينيين، وعن الدولة الفلسطينية والتسوية الدائمة قطع موفاز مؤكدا: أنا لا أرى أن ذلك قد يحدث في السنوات المقبلة، ويجب ان نعترف ان الشريك الفلسطيني الحالي لا يزودنا بالبضاعة المطلوبة. يضاف إلى ذلك جملة لا حصر لها من المواقف والأدبيات الإسرائيلية في هذا الاتجاه.

فتصوروا هذا الإجماع الغريب العجيب على طبيعة السلام الذي يجري الضخ فيه على مدار الساعة وبصورة «غوبلزية» يكادون هم أنفسهم أن يصدقوها!!

لذلك تعيدنا هذه التصريحات المواقف والأدبيات السياسية الباراكية ـ الموفازية ـ البيريزية وغيرها الكثير، إلى البدايات والجذور السياسية والاستراتيجية الصهيونية الإسرائيلية إزاء ملف الصراع والعلاقات مع العرب، لنفتح ملف وطبيعة السلام الذي يبحثون عنه في فلسطين!

فالأصل في عملية السلام منذ بداياتها كان مبدأ «الأرض مقابل السلام»، ولكن حطمت الاجتياحات الحربية الاحتفالية هذا المبدأ الى شظايا، والواضح أن الأجندات السياسية التسوية الإسرائيلية تجاوزت بمنتهى الاستخفاف والاحتقار الأجندات المدريدية والاوسلوية، وبات الجميع أمام أجندات ومبادئ أخرى مختلفة جذريا، تتراوح مساحتها ما بين «رؤية بوش» و«خريطة الطريق» وفك الارتباط الشاروني ثم الانفصال والتجميع على الطريقة الاولمرتية المشورنة، ثم عودة الى رؤية بوش في الدولتين، ثم عودة ثانية الى ما يسمى «اتفاق المبادئ» كما عرضه اولمرت مؤخرا على الرئيس ابو مازن.

كان شارون قد نجح خلال فترة حكمه بإسقاط «الارض مقابل السلام» لصالح مبدأ «الأمن مقابل السلام»، ثم عزز ذلك «قبل الجلطة» بخطة جديدة نشرت صحيفة معاريف أهم مبادئها، وهي عدم وجود شريك فلسطيني للتسوية وإلغاء خارطة الطريق لتحل مكانها خطة فرض حل إسرائيلي على الفلسطينيين بدعم أميركي كامل!!

وهاهو الجنرال باراك يعود بنا اليوم مرة اخرى وبقوة إلى تلك الخريطة الشارونية، ولا تنفع هنا كافة محاولات التخفيف او التجميل الأميركية وغيرها لقصة السلام!

ولذلك نقول انه من المفيد دائما أن نتوقف أمام خرائط الحرب الاحتلالية الحقيقية التي تجري هناك على العارض الفلسطينية، وأمام أدبيات وطبيعة السلام الذي يريدونه ويبحثون عنه ويسعون لابتزازه منا. لم يعد الخطاب الرسمي العربي تجاه فلسطين والصراع يملك، كما يبدو، سوى مفردات «السلام والتطبيع» و«المفاوضات» و«خريطة الطريق» و«الاعتراف بإسرائيل»، ولكن على نحو اقرب الى العجز والإفلاس السياسي.

كان عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية قد أطلقها من الأعماق ذات يوم مؤكدا أن «كل عملية السلام عبارة عن نصب سياسي»، ليعود ثانية بعد ذلك ويعلنها على خلفية صريحة بان «لا فائدة فإسرائيل فوق القانون الدولي، وطالما هناك احتلال فهناك مقاومة».

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com