رب قائل انه لا يوجد أساس للحديث عن اقتسام سوق السلاح في الشرق الأوسط، فالأميركيون إنما يسعون إلى تسليح شركائهم التقليديين في المنطقة والذين درجوا على شراء الأسلحة الأميركية منذ عشرات السنين. لكن وزيرة الخارجية الأميركية ك. رايس قالت بوضوح في مقابلة أجرتها معها قناة فوكس التلفزيونية في الخامس من أغسطس: «سيكون من الخطأ لو أن السعودية أو دول الخليج الأخرى لم تمتلك إمكانيات الدفاع عن نفسها، أو أنها اتجهت إلى الآخرين الذين قد يكونون أقل ضمانة لتوفير قدراتهم الدفاعية».
الحقيقة أن احتكار سوق السلاح في المنطقة قضية صراع ومنافسة محمومتين بين كبار مصدري الأسلحة في العالم، لكن المسألة أبعد من ذلك أيضاً. هذه الصفقات لا تعني إرسال دفعة واحدة فقط، بل برنامج مساعدات عسكرية يمتد لقرابة عقد من الزمان. فالحديث لا يجري فقط عن أنه مع بيع هذه الأسلحة ترسل الولايات المتحدة خبراء ومستشارين عسكريين جدداً آخرين لتعليم وتدريب العسكريين المحليين.
إن إرسال مثل هذه الشحنات الضخمة من الأسلحة يتيح للولايات المتحدة التأثير على سياسة هذه البلدان، وحتى توجيهها وفق ما تقتضيه متغيرات الاستراتيجية الأميركية إقليمياً وعالمياً. أول التغيرات الاستراتيجية هو الموقف من المسألة الديمقراطية. وتجارة السلاح عادة ما تعطي المبرر للتقديرات المليئة بالشكوك. وأول ما يتبادر إلى الذهن ما يمس المقولات الأميركية حول الشرق الأوسط الديمقراطي الجديد. وهذا التقلب ليس جديداً في السياسة الأميركية.
لقد طرح بوش الاب قبل تحرير الكويت برنامج النقاط العشر للإصلاحات الديمقراطية، وأين نحن منها الآن؟ ويوم غزت إدارة بوش الابن العراق عام 2003 قيل ان برنامج الإصلاحات في مشروع الشرق الأوسط الديمقراطي الكبير يبدأ من ترسيخ الديمقراطية في العراق أولاً، ثم نشرها في بقية بلدان المنطقة، وأين نحن من ذلك الآن؟
لقد تغير الوضع واتجه التركيز نحو ما قالته رايس في نفس تلك المقابلة التلفزيونية: «ليس من الصحيح أن نترك أصدقاءنا الاستراتيجيين القدامى دون حماية في منطقة يزداد فيها التهديد الإيراني وغير الإيراني». وعليه يمكن القول ان الاستراتيجية الأميركية «الجديدة» تتسم بموت الحلم الأميركي حول الشرق الأوسط الديمقراطي الكبير، الذي لم يتكون في أحشاء الحرب الأميركية على العراق، كما لم يولد من رحم الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام الماضي.
من الناحية الرسمية لم ولن تعلن الولايات المتحدة تخليها عن استراتيجية نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنه سيتم إفراغها من محتواها شيئاً فشيئاً عن طريق المزيد من عسكرة البلدان التي تتباطأ فيها العملية الديمقراطية. وفي هذا دليل صارخ على عودة الولايات المتحدة لاستراتيجية سياسة الركيزتين التي انتهجتها في سبعينات القرن الماضي:
القوة العسكرية لإيران الشاه، وصرة المال العربية. ولعل تتالي الأحداث السياسية في منطقة الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة يفصح لكل لبيب عن أن سياسة الركيزتين تعود الآن باعتماد القوة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً بعد تطور صناعتها العسكرية ونوعية الإمدادات، وصرة المال الخليجية، خصوصاً بعد «فوائض» أموال النفط التي تعد بمئات مليارات الدولارات. فما الذي ستحدثه هذه الاستراتيجية القديمة - الجديدة على مستقبل التطورات السياسية في المنطقة؟
هذه الأسلحة ستتجه إلى المنطقة التي ظلت فيها القضية الفلسطينية على مدى ستة عقود سبباً لعدد من الحروب، وهي لا تزال الآن بعيدة عن الحل.
وكذلك حيث الحرب الأميركية في العراق التي لا يبدو أن نهاياتها قريبة. بل ولربما أن صعوبات هذه الحرب تقف وراء اندفاعات المقامرة الجديدة في المنطقة. فالحرب في إطار البلد الواحد يجري توسيعها في إطار المواجهات الإقليمية وتقسيم الولايات المتحدة المنطقة إلى بلدان «معها» وأخرى «ضدها».
يبقى سؤال واحد أيضاً: هل ستذهب نزعة المقامرة إلى حد إقدام الولايات المتحدة وحلفائها على شن حرب ضد إيران؟ كل ما تم عرضه أعلاه يجعل من هذه الفرضية أكثر احتمالاً. ففي إسرائيل، مثلاً، كثيراً ما ينادون بالقيام بعمليات عسكرية ضد إيران. وبهذا القدر من الجدية تنظر طهران إلى المسألة، ولا يستبعد أن يظهر في إيران قريباً من سيدعو إلى وقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتسريع في تحويل البرنامج النووي الإيراني إلى إنتاج الأسلحة النووية، وحتى من سيدعو إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل الأخرى.
كل تلك المناورات تدور حول هدف رئيسي هو خلق ظروف مواتية لكي تبقى الولايات بقواعدها العسكرية وخبرائها وبنفوذها السياسي حاضرة لأمد بعيد في هذه المنطقة. فمن هنا، حيث الاحتياطات الأكبر للنفط والغاز، يرى الاستراتيجيون الأميركيون أنه يمكن التحكم في كل بقية العالم. الحجة لتحقيق ذلك: إقامة ما يسمى بالسياج الواقي ضد إيران، سوريا، حزب الله والقاعدة.
لكنه عندما تدعي الولايات المتحدة الأميركية أن أسلحة شديدة التعقيد يتم التحكم بإطلاقها وتوجيهها من الأقمار الفضائية الصناعية التي تكلف مليارات الدولارات، هي الكفيلة بتتبع إرهابي يحمل حقيبة قنابل أو حزاماً ناسفاً، فلا يمكن أن نجد اعترافاً أجلى من هذا بضعف الولايات المتحدة نفسها. ألم يقولوا في البدايات أن القضاء على الإرهاب يحتاج قبل كل شيء إلى تطوير برامج شاملة للإصلاحات الديمقراطية ولبناء دول القانون والمؤسسات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبإعادة استثمار مليارات الدولارات في اقتصادات هذه الدول وبالحد من البطالة وتحسين المستويات المعيشية لشعوبها؟
وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر العارف بأمور السياسة الخارجية وقضايا الشرق الأوسط، حذر البيت الأبيض علناً منذ فترة قريبة: «نحن الأميركيون لا نملك لا المعرفة ولا الذكاء ولا الإصرار الذي يمكن أن يجعل منا أوصياء على الكون».. وربما نسي كيسنجر أن يقول «ولا الحق أيضاً»!
كاتب بحريني