رغم غيوم الشك والريبة التي تنتاب كل من يتابع بأسى وحزن ما يجري فوق أرض الرافدين، إلا انه يمكن القول إن الأمل في إنقاذ العراق من محنته وانتشال شعبه الصامد المثابر من أوضاعه المعيشية المفجعة قد تجدد، بعد أن ألقيت الكرة في الملعب الدولي، وبات على الأمم المتحدة أن تتحمل ولو الحد الأدنى من مسؤولياتها تجاه وطن منكوب، لم يعرف شعبه أمناً ولا طمأنينة ولا استقراراً على مدى أكثر من أربع سنوات، هي عمر الاحتلال على أرضه.

ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، تعليقاً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1770 الذي عزز دور المنظمة الدولية تجاه العراق، هو الذي ينعش هذا الأمل بعد أن كان اليأس قد تسرب في النفوس وبات ما نشاهده فوق أرض العراق، وكأنه حالة مزمنة مستعصية على الشفاء من وباء الفوضى الأمنية والعنف الدامي الذي يحصد الأرواح بلا هوادة.

يقول كي مون إن الأمم المتحدة ستلعب اعتباراً من الآن فصاعداً دور الوسيط في العراق بهدف تشجيع الحوار بشقيه، الداخلي بين مختلف الفرقاء العراقيين، والخارجي مع الدول المجاورة، في آن معاً. هذا الدور أكده وشدد عليه المسؤول الدولي الكبير. فعندما سئل عن إمكانية قيام الأمم المتحدة بـ «دور الوسيط» بعد تبني مجلس الأمن للقرار، رد «نعم، جوابي هو نعم»، وأضاف أن نشر وتشجيع الحوار السياسي بين مختلف الفرقاء والمجموعات الدينية والاثنية سيكون أحد المجالات الهامة التي ستلتزم بها الأمم المتحدة.

كي مون.. متفائل بالدور الجديد للمنظمة الدولية التي بدت في بداية الحرب على العراق وكأنها قد حيدت وأُغفل دورها، بل ظهرت أمام العالم لا حول لها ولا قوة أمام حرب لم تحظ بقبول دولي من جانب الرأي العام العالمي.

إن المنظمة الدولية منذ التفجير الذي وقع في 2003 وأودى بحياة 22 من موظفي المنظمة بمن فيهم المبعوث الخاص سيرجيو فييرا دي ميلو، ليس لديها من عناصر بشرية في العراق حاليا سوى 55 من الموظفين الدوليين. ورغم اعتراض نقابة موظفي الأمم المتحدة على توسيع البعثة الدولية في العراق، إلا أن كي مون الذي يدرك هذا القلق الأمني، سيطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة منحه مخصصات لتعزيز أمن مقار إقامة فريق الأمم المتحدة في العراق.

المهم.. ليس في «كم» التواجد البشري الدولي على أرض العراق، وإنما في فاعلية قرار مجلس الأمن الجديد ووسائل تنفيذه، لأنه إذا تحقق ما فيه من بنود تحمل الأمل في إنقاذ العراق، لكان ذلك بداية مرحلة جديدة نحو استقرار هذا البلد الشقيق.

لقد ظل الدور السياسي للأمم المتحدة محدوداً وصغيراً في العراق خلال السنوات الماضية، فجاء قرار مجلس الأمن ليمنحها تفويضاً أوضح لتقود مساعي توحيد الفصائل العراقية المتناحرة. وهناك الآن رغبة أميركية في أن تلعب الأمم المتحدة دوراً فعالاً، وهو ما أكده سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة زلماي خليل زاد.

فالولايات المتحدة، كما صرح مندوبها، باتت تؤمن بأهمية أن يدعو مجلس الأمن لاجتماعات بين الفصائل العراقية السياسية، وأن يقترح صيغاً لرأب الصدع بينها. وقرار مجلس الأمن يوصي أيضاً بدعم المحادثات بين العراق وجيرانه، بخصوص أمن الحدود والطاقة واللاجئين والمساعدة في عودة الملايين الذين فروا من العنف، فضلا عن تنسيق جهود إعادة الإعمار والمعونة والمساعدة في دعم الإصلاح الاقتصادي.

إن توسيع دور الأمم المتحدة في العراق يجدد الأمل بإنقاذه من محنته، والمأمول أن تتضافر جهود الجميع لدعم وتعزيز هذا الدور، حتى لا يتحول الأمل الجديد إلى وهم وسراب.