ساعات بين الكتب-د. أحمد القديدي

ساعات بين الكتب

لم يرحمنا قدوم فصل الصيف من وطأة الأحداث العربية المتلاحقة فتواصلت معضلاتنا بإصرار وتلاحقت مآسينا بعناد، حتى أن الملجأ الوحيد لأعصاب الكاتب والقارئ أصبح هو الكتاب الذي صمد في مواجهة كل الاختراعات العجيبة منذ قرن، بدءا من الإذاعة ومرورا بالتلفزيون إلى عصر الكمبيوتر.

وفي الحقيقة للكتاب رجال ونساء وقفوا إلى جانبه في مواجهاته، وتمسكوا بالورق والقرطاس حتى تحول الكتاب الى ملهم لكل مناهج الإبلاغ الأخرى، وظل الصديق الوفي والأنيس الحميم في لحظات التجلي ونهل المعرفة. وبهذه الروح آثرت خلال الإجازة الصيفية الانزواء إلى كتب أهدانيها مؤلفوها مشكورين خلال السنة ومنعتني الشواغل المهنية واليومية من مطالعتها، فإذا بي اكتشفها أمامي تطالبني برد الجميل لهؤلاء الزملاء الكرام الذين خطوا على صفحاتها الأولى عبارات الإهداء السخية، وإذا بي ألتهم فصولها بشغف وأضع يدي على كنوز من الحقائق التاريخية لم أكن أعرفها في مجالات مختلفة من الحضارة.

هذه الكتب ثلاثة، أولها كتاب للزميل الفاضل د. محمد حرب بعنوان «العثمانيون في التاريخ والحضارة»، تابعت فيه نشأة الخلافة العثمانية وفتوحاتها المدوية منذ القسطنطينية إلى حصار فيينا، مرورا بحماية دار الإسلام من الاستلاب والنهب على مدى القرون الستة والنصف التي عاشتها الإمبراطورية الإسلامية إلى حين انهيارها في العشرينات من القرن العشرين، لتفتح صفحة القوميات والهيمنة الاستعمارية ثم حروب التحرير وضياع القدس الشريف وفلسطين.

وما لفت نظري هو المواقف الجليلة البطولية للسلطان عبدالحميد ضد المؤامرات الصهيونية لإنشاء كيان في فلسطين، فكان السلطان صارماً وحازماً في هذه القضية المصيرية، مما أدى بالتأكيد إلى الإطاحة بعرشه وهز أركان الخلافة تمهيدا لابتلاع المشرق العربي تماما بدون مقاومة. وقد تجرأ السلطان على طرد مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل مما جعل مجلة «بيوك طوغو» التركية تنشر مقالا تقول فيه: إن تصرف السلطان تجاه الحركة اليهودية بهذا الشكل المعادي، تسبب في هدم تاجه ودك عرشه وبالتالي هدم الدولة العثمانية كلها.

أما الكتاب الثاني فهو للدكتور سمير البكوش أستاذ التاريخ بكلية الإنسانيات في منوبة التونسية وهو بعنوان «القيروان من 1881 إلى 1939 تاريخ المقاومة والصمود» للاستعمار لدى أهالي هذه المدينة التي تعتبر أول قلعة إسلامية في افريقية، والتي أسسها المجاهد عقبة بن نافع عام 50 هجرية، ثم كانت المحطة الأولى لفتح الأندلس وجنوب أوروبا.

لكن المؤرخ المتميز الزميل سمير البكوش اختار قراءة الوثائق واستنطاق الأرشيف لدى الإدارة الاستعمارية، ليكشف لنا عن ملحمة مقاومة مسلحة وبطولية خاضها سكان جهة القيروان منذ حلول الجيش الفرنسي المستعمر.

ونتابع مع المؤرخ بعض أسرار انتفاضة التجنيس عام 1933 حين بدأ الزعيم بورقيبة يعي خطر تجنس التونسيين بالجنسية الفرنسية تمهيدا لصهرهم في فرنسا تماما كما وقع لسكان جزر ما وراء البحار حين كانت مستعمرات فرنسية ـ وظلت كذلك إلى اليوم ـ فدعا بورقيبة إلى العصيان المدني برفض دفن المجنسين في المقابر الإسلامية اعتمادا على فتوى الشيخ إدريس الشريف مفتي بنزرت.

أما الكتاب الثالث فهو بعنوان «القضايا الكبرى»، ويجمع أهم محاضرات المفكر المسلم الجزائري مالك بن نبي رحمة الله عليه، وقد نقلها إلى العربية ابن مدينتي القيروان وأستاذي للغة العربية المرحوم الطيب الشريف حين كنا طلابا في المدرسة الثانوية بالقيروان في الستينات، وكان الطيب الشريف من مريدي وأنصار مالك بن نبي ومعرب جل أعماله إلى أن توفاه الله، وهو أيضا من أصدق الشعراء المبدعين.

والكتاب ذو أهمية معاصرة لأن الإشكاليات التي يعالجها مالك بن نبي لا تزال قائمة إلى يوم الناس هذا في العالم العربي والإسلامي، مثل قضايا الهوية وتقبل الاستعمار ومعاني الاستقلال الحقيقي وحدود الحريات والمسؤوليات.

لقائل أن يقول إن محاور هذه الكتب الثلاثة متباعدة، ولكن الحقيقة غير ذلك لأن الجسور الحضارية الممتدة ما بين انهيار خلافة آل عثمان وشن المقاومة التونسية ضد الاستعمار وحيرة مجتمعاتنا العربية اليوم وحتى صيف 2007، هي جسور قوية. ويحسن بالقارئ أن يربط بين معاني وحقائق هذه الكتب القيمة الثلاثة ليخرج برؤية متكاملة عن أزمة العالم العربي الراهنة، من خلال وثائق التاريخ.

alqadidi@hotmail.com

تعليقات

تعليقات