ما لم نحترم أنفسنا كعرب فلن يحترمنا أحد، وما لم نتجاوز انقساماتنا المفتعلة بين الأقلية المعتدلة والأغلبية التي بحاجة للاعتدال، ونتوحد هدفا وصفا فلن يكون لكلمتنا في العالم أي وزن.. أقول ذلك بينما لا تزال المواقف العربية تجاه القضايا الوطنية لا تتجاوز بيانات التأييد اللفظي، بما يبدو للمراقب نوعاً من «بر العتب» ولا يتجاوزه إلى الدعم الجدي، بما يبتعد بنا عن روح التضامن العربي، في حين أن ميثاق الجامعة العربية واتفاقياتها، كمعاهدة الدفاع المشترك، تفترض أن العرب جسد واحد وقلب واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وأن الاعتداء على أي دولة فيه هو اعتداء على كل الدول العربية.
ومع ذلك فمجرد صدور قرار عربي على أي مستوى دعماً لبلد عربي في قضية حق، أو إدانة لفعل ما من دولة أجنبية يضر بمصالح دولة عربية أو بالأمة كلها، تبدو في هذا الزمن العربي المضغوط والظرف الدولي الضاغط أمراً إيجابياً حتى ولو كان بالقول دون الفعل.
كان العرب في زمن عربي آخر يحسب لمواقفهم تجاه العالم حساب على قدر قوة وحدتهم وجدية مواقفهم، وأتذكر على سبيل المثال أن دولة عربية كبيرة كانت لا تنتظر اجتماعاً عربياً لتتخذ الموقف المطلوب في الوقت المطلوب وبالشكل المطلوب انتصاراً لأشقائها العرب ودعماً لمواقفهم في مواجهة تهديدات أو ضغوطات الغير عليها.
وكانت أكبر دول العالم تحسب حساباً لمواقف العالم العربي ولبيانات الرفض والقبول العربي، لأنها كانت تصدر عن مواقف جدية فتؤخذ دائماً على محمل الجد، حتى أن أميركا لم تكن تجرؤ في ذلك الزمن العربي على الإعلان عن صفقة واحدة لتسليح إسرائيل إلا بعد هزيمة 67.
أما في زماننا العربي الراهن فلم تعد البيانات العربية تعبر عن مواقف جدية، حيث تكتفي بالتأييد دون استعداد لفعل أو بالإدانة دون تلويح بالعقاب.. لأنها لم تعد في وضع يمكنها من الفعل أو العقاب.
أصبحنا في زمن نحن الذين نعاقَب فيه فرادى سواء بقرارات منفردة أو أممية دون قدرة على الرد، ونحن الذين نحاسب فيه فرادى بقوانين أميركية، أو نحاصر بقرارات أوروبية دون قدرة الشقيق على نصرة شقيقه!
وفي الزمن العربي الباهر كان العرب قادرين على «المقاطعة» السياسية والاقتصادية لدول كبرى بقطع العلاقات الدبلوماسية معها إذا اعتدت على بلد عربي، وعلى شركات دولية إذا تعاملت مع إسرائيل، وكانت هذه الدول والشركات تحسب حساباً للمواقف العربية، وكان العرب قادرين على قطع البترول عن الدول التي تساعد إسرائيل عام 1973.
وفي الزمن العربي الباهت أصبح العرب غير قادرين حتى على «الممانعة» أو رفض أن تتحدث واشنطن باسمهم حتى لو ورطهم ذلك مع أشقائهم، ولم يعد بمقدورهم منح التأييد الفعلي لأي بلد شقيق أو منع العدوان أو الاحتلال أو الحصار عنه!
مثلما تبدو الصورة أمامنا مؤلمة ومؤسفة ومهينة لغياب القول العربي القوي والفعل العربي الرادع، سواء في حصار فلسطين، أو حصار ليبيا، أو احتلال العراق، أو احتلال الصومال، أو إزاء العقوبات على السودان، والضغوط على سوريا والتدخل السافر في لبنان.
ومع ذلك أصبحنا من فرط ضعفنا نعلق الآمال على أي اجتماع عربي لأن في اجتماع العرب قوة لكل بلد عربي على حدة، وأصبحنا نعتبر أي بيان عربي ينتصر لبلد عربي ولو بمجرد الكلام موقفا إيجابيا وأي فعل عربي لرد أي ضغط أجنبي على بلد عربي مهما كان غير كاف تحركاً إيجابياً. مطلوب أن يستعيد العرب ذاتهم وقدرتهم على الرفض والقبول، ويوجهوا بوصلتهم في اتجاه قبلتهم، وينجحوا في التأثير على أنفسهم لينجحوا في التأثير على غيرهم.. فهم بما ملكوا في الماضي وما يملكون في الحاضر، يستحقون مكانة وتأثيرا في العالم أكبر بكثير مما هم عليه الآن.