يبدو ان الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي آخذ في التراجع، والأصوات التي تدعو للديمقراطية وكأنها وصفة سحرية أو حل لمشكلات المنطقة يمكن إسقاطه بالمظلة، بدأت بالخفوت بعد ان صارت الديمقراطية موضة سياسية وفكرية غداة 11 سبتمبر وخاصة بعد غزو العراق. فكانت الديمقراطية حيناً سبباً مسبقاً وأحياناً تبريراً لاحقاً لسياسات مختلفة في المنطقة.
عقدت الندوات والمؤتمرات الرسمية، وشبه الرسمية وحصلت توترات دبلوماسية من خلال سياسة النصح العلني التي كانت توجه للبعض من قبل واشنطن، وحصل تنافس وحراك فكري وسياسي قوي في المنطقة بين أطراف متناقضة ومتخاصمة، كل يحاول ان يقدم الديمقراطية على هواه وان يبرر الموقع المعجل أو المؤجل الأساسي أو المكمل الذي يضع الديمقراطية فيه ضمن منظومته الفكرية السياسية وضمن إستراتيجيته متى وجدت هذه الأخيرة. شاركت في هذه اللعبة القوى الكبرى والدول الإقليمية والقوى السياسية العقائدية المختلفة التي تحمل عنوان التغيير في المنطقة.
جملة من الملاحظات يمكن إدراجها بشأن الصراع حول الديمقراطية والصراع حول من يكون ناطقاً فعلياً باسمها:
1-وقع الطرح الأميركي المستعجل والذي يعكس أو يهدف إلى أجندات أخرى، في خطأ مفهومي بشأن الديمقراطية، فهذه لا يمكن ان تقام خارج الدولة أو في مرحلة ما قبل الدولة، بل ان الشرط الطبيعي والضروري والتاريخي لقيام الديمقراطية هو وجود دولة فاعلة وقوية كما يدل على ذلك تاريخ أوروبا، فمن غير الممكن تدمير الدولة العراقية ثم إقامة الديمقراطية على أنقاضها في فراغ، ولا يمكن ربط شرط قيام دولة بتحقيق الديمقراطية كأن تصبح هذه الأخيرة مدخلاً لقيام الدولة كما هي المقاربة الأميركية في الشأن الفلسطيني.
خطأ مفهومي آخر يكمن في اختزال الديمقراطية بالعملية الانتخابية. فالديمقراطية ليست آلية نقل سلطة فحسب، بل ان هذه هي أبسط التعريفات للديمقراطية التي هي قبل أي شيء آخر بلورة منظومة قيمية حاملة لثقافة سياسية، تقوم على حكم القانون والقبول بالمساءلة واحترام الاختلاف وحق الآخر بالوصول إلى السلطة، وتقوم قبل أي شيء آخر على مفهوم المواطنة الذي هو أساسي لمفهوم المساواة.
الديمقراطية أيضاً تفترض وجود طبقة متوسطة مستقرة وراسخة، وتفترض وجود نظام رأسمالي يسبقها، كما دلت على ذلك التجربة التاريخية للديمقراطية وخاصة في أوروبا باعتبار انها ولدت مع الرأسمالية في أميركا، ولو ان هنالك آراء متضاربة حالياً حول ما إذا كانت الرأسمالية تؤدي بالضرورة إلى قيام الديمقراطية أم انها شرط ضروري ولكن غير كاف.
2-أصيبت الديمقراطية بضربة شبه قاتلة بسبب التصاقها بالسياسة الأميركية من جهة، وبسبب إلصاق الديمقراطية بتهمة خدمة المصالح الأميركية والتدخل الأميركي عند أعداء الديمقراطية في المنطقة من جهة أخرى، وهم عادة قريبون جداً من سياسات واشنطن الإقليمية. المقاربة الانتقائية أو مقاربة الكيل بمكيالين الأميركية وصورة أميركا السلبية جداً بسبب سياساتها تجاه قضايا المنطقة وتجربة الديمقراطية في العراق كما حملتها الولايات المتحدة، كلها عناصر ساهمت في إضعاف الفكرة الديمقراطية.
3-انفجار الوضع العراقي ومخاطر ذلك الانفجار التي تتعدى الحدود العراقية، وغرق الولايات المتحدة في المستنقع العراقي، أعاد القوة لمنطق الاستقرار على حساب منطق أولوية الديمقراطية التي قد تهدد أو تعرض الاستقرار للخطر، مما ساهم في تراجع الدعوة الديمقراطية وفي انتصار منطق الاستقراريين الموجودين في العالم العربي وفي واشنطن، والذين يلتقون حول تهميش المسألة الديمقراطية أو معارضتها ومحاربتها.
4-انفجار أزمات المنطقة، وتحديداً القضية الفلسطينية بتداعياتها المختلفة والعراق، وهي الأزمات التي تشكل مصدر الشرعيات القيمية الثقافية السياسية والعقائدية على الصعيد العربي لأنها تتعلق بالهوية الجامعة ولأنها ذات تداعيات استراتيجية، انفجار هذه الأزمات والدخول في المجهول حوّل الرأي العام العربي كلياً بشكل واسع نحو هذه القضايا على حساب قضايا أخرى داخلية مختلفة.
ومنها مسألة الديمقراطية، وساهم في تعزيز هذا التوجه سياسات عربية رسمية قاصرة في مجال قضايا المنطقة على مستوى الفعل، ولكنها نشطة على مستوى الخطاب وتحاول وبنجاح نسبي غير صغير استغلال مشاعر الناس تجاه قضايا الهوية في المنطقة من أجل إبعادها عن المسألة الديمقراطية، فحصل نوع من عكس الأولويات في المنطقة.
5-طرحت المسألة الديمقراطية وكأنها في حالة تناقض مع القضايا الأساسية في المنطقة من حيث الأولويات، فإما هذه أو ذاك. والمفارقة ان واشنطن قامت بذلك عندما اعتبرت ان الديمقراطية تسبق تسوية أزمات المنطقة الأساسية أو هي المدخل لذلك، وأن على أزمات المنطقة ان تبقى في غرفة الانتظار، في حين ان الرأي العام العربي الذي له المصلحة الأساسية والمباشرة بالديمقراطية تجاوب مع الطروحات العقائدية لبعض التيارات الإسلامية والقومية، والطروحات الإعلامية لبعض الحكومات رغم التناقض بين الطرفين، باتجاه تهميش وتأجيل المسألة الديمقراطية، باعتبار انها تعرقل أو تزيح القطار العربي عن سكة الدفع أو الاندفاع نحو التعامل مع هذه القضايا مصدر الشرعيات العربية.
فالمنطق الأحادي المطلق القائم على هذا أو ذاك أضعف المسألة الديمقراطية في المنطقة، فكأنما هنالك تناقض في الواقع بين التحرير والتحرر، وكأنما التسوية الناجحة للنزاعات في المنطقة على أساس المطالب المشروعة العربية لا تستدعي بناء المجتمع النابض والحي والقوي وبناء المواطنية لتكون هنالك دول قادرة على الفعل والتأثير، ومدخل ذلك دون شك هو خلق المجتمع المدني وفيه الفضاء السياسي الديناميكي الحر والذي يسمح بتعبئة كافة الطاقات الفعلية خدمة للأهداف الوطنية، أو تلك التي هي فوق الوطنية ولا يتوفر هذا إلا عن طريق الديمقراطية، وليس بالطبع عن طريق خنق المجتمع ومصادرة الدولة.
6-بقيت لغة التخويف المزدوج قائمة: تخويف بالديمقراطية كمدخل لأمركة المنطقة، وهو منطق يدفع به حيز واسع من النظام العربي الرسمي لتنفيس وإرباك الدعوات الصادرة عن القوى المجتمعية والمطالبة بالديمقراطية، وتخويف بالديمقراطية كمدخل لأسلمة المنطقة، موجه للغرب بشكل خاص، وهو تخويف مزدوج ناجح بسبب المقاربات الأحادية المطلقة التي أشرنا إليها وبسبب تشابك القضايا في المنطقة وتعقيداتها.
وبسبب حامل الرسالة الديمقراطية وصورته التي تزداد سلباً كل يوم فتطيح بمضمون الرسالة ضمن منطق النكاية الذي يمارسه البعض، وهو منطق منتشر ومؤثر في الثقافة السياسية العربية، وكأن معارضة السياسة الأميركية أو الاختلاف معها يفترض معارضة تلقائية لكل ما تحمله من عناوين، رغم ان العنوان الديمقراطي جديد عند واشنطن في المنطقة وهو في طريقه إلى الاندثار مجدداً ورغم ان واشنطن قبل 11 سبتمبر لم تهتم بتاتاً بهذا العنوان لا بل دعمت قوى حاربته، ورغم ان الديمقراطية، وهذا هو الأهم، تبقى حاجة عربية سياسية طبيعية ليست وليدة 11 سبتمبر ولا تعكس مصلحة آنية أو أجندة مخفية لأي طرف خارجي.
ويصبح الخروج من منطق رد الفعل أمراً ضرورياً عند قوى التغيير في المنطقة ومسؤولية كبيرة لديها، نحو منطق المبادرة القائمة على القناعة المطلقة بضرورة الديمقراطية، وبأن المطلوب بناء الهياكل التحتية للديمقراطية، وان هذه الأخيرة هي عملية PROCESS مطولة ومعقدة وفيها مصاعب ومخاطر.
لذلك يستحسن الحديث حفاظاً على الدقة والموضوعية، عن عملية الدمقرطة كعملية تحول تاريخية يمكن التأثير في سرعتها، ولكن لا يمكن إيقافها باسم الدفاع ضد الخارج أو خوفاً منه.
كاتب لبناني