فارق كبير بين لحظتين، الأولى عندما وقف الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل عقب اغتيال ابنه النائب الراحل بيير الجميل ليرتفع فوق أحزانه، يرفض إطلاق الاتهامات جزافاً كما فعل بعض حلفائه، ويطالب الجميع بالهدوء، ويؤكد أن الوفاء لدماء ابنه الراحل تكون بالسعي لاجتياز الأزمة التي يمر بها لبنان من خلال وحدته الوطنية.
أما اللحظة الثانية، فهي تلك التي ظهر فيها بعد خسارة المعركة الانتخابية الأخيرة في المتن الشمالي، ليتحدث بلهجة أخرى لا تتناسب مع الصورة التي تكونت لدى الجميع عنه في الفترة الأخيرة كصوت معتدل قادر على أن يلعب دوراً تجميعياً يحتاجه لبنان، فيواصل مهاجمة المسيحيين الأرمن لأنهم انحازوا ضده في الانتخابات، ثم يقف ليقدم كشفاً تفصيلياً بسير الانتخابات ونسب التصويت على أسس طائفية تقول ـ وفقاً لروايته ـ إن 80% من الأرمن صوتوا ضده، وكذلك 97% من الشيعة، أما السنة فنال من أصواتهم 40% فقط رغم دعم الحريري وتيار المستقبل القوي له.
بالطبع أكره هذا الواقع الطائفي البغيض الذي ما زال يتحكم في مصير لبنان الشقيق، وأتفهم حجم المرارة التي حاول الرئيس أمين الجميل أن يخفيها بالحديث عن التقدم الذي أحرزه في نتائج التصويت بين طائفته المارونية. لكن أليس الأجدر باللوم والغضب هم حلفاؤه الذين قادوه لهذا المأزق بلا مبرر؟ فهو لم يسقط بسبب الصوت الإسلامي كما قال، بل بسبب الحسابات الخاطئة لبعض قادة 14 آذار، وربما بسبب محاولة بعض حلفائه الخلاص منه كقطب مسيحي معتدل وعاقل!
لقد كان الرهان الأساسي لهذا الفريق أن العماد عون لن يخوض المعركة لاعتراضه على الأساس الدستوري لها، ومن هنا فالفوز مضمون ويمكن استغلاله للطعن في ما يدعيه العماد عون من انه الممثل الأكبر للمسيحيين في لبنان. وحتى عندما قدم عون مرشحاً، كانت القراءة من جانب فريق الأكثرية أن الترشيح غير جاد، وأن المرشح ليس من الوزن السياسي القادر على منازلة الجميل، وأن الماكينات الانتخابية للتيار العوني غير مستعدة، وحلفاؤه غير مهيئين للمعركة الانتخابية، وأن الأمر لا يعدو مجرد توفير سبب للطعن في شرعية الانتخابات والسعي لإلغائها.
وعندما سدت الطرق القضائية لإلغاء الانتخابات، أصبح هناك أمر واقع جديد، ولم يكن ممكناً أن ينسحب التيار العوني من المعركة، وبدلاً من المساعدة في إيجاد تسوية تحفظ للجميع مواقعهم، وتمنح المقعد النيابي للجميل عبر مصالحة كانت ممكنة، وجدت أطراف في تحالف 14 آذار أن أمامها فرصة للانقضاض على عون في معركة مضمونة. فالمرشح المنافس ليس بمكانة الجميل، والظرف العاطفي باغتيال الابن يمنح الأب تعاطفاً كبيراً، وهناك تفوق إعلامي ودعم مالي كاسح، وهناك استغلال لتحالف عون مع حزب الله وحركة أمل، لشن حملة عليه تدغدغ مشاعر المسيحيين وتصفه بأنه «ميشيل نصر الله»!
وضاعف من آمال هذا الفريق البيان الذي صدر عن البطريرك صفير داعياً لوحدة الصف المسيحي، ومحبذاً ترك المقعد للجميل انطلاقاً من تقاليد سابقة في مثل هذه الحالات، لكن الوقت كان قد فات على مثل هذا الحل، خاصة مع تشجيع بعض الحلفاء للجميل على رفض تقديم أي بادرة نحو عون تشجعه على التنازل.
وهكذا بدأت المعركة، واشتد التنافس ووصلت المساجلات إلى درجة سيئة أثارت المخاوف من التصعيد، ودفعت الكل إلى بذل جهود أخرى أثمرت مبادرة جديدة من البطريرك صفير بتأجيل الانتخابات، لم يكن ليقدمها لو لم يحصل على موافقة مبدئية من الطرفين. ومع ذلك قبلها عون ولم يوافق عليها الجميل، ثم كان ما كان.
وبعيداً عن القراءات المتعددة للانتخابات وتأثيراتها المستقبلية، وإصرار كل فريق على انه الرابح من وجهة نظره، فإن الحقيقة الأساسية هي أن نائباً جديداً انضم لتكتل عون في مقعد كان لنائب في الأكثرية، وأن مرشحاً مغموراً نجح بالإطاحة برمز سياسي بوزن الرئيس السابق أمين الجميل، ولو بعدد من الأصوات لا يتجاوز 418 صوتاً. والأمر هنا يضع أمامنا بعض النقاط الجديرة بالتسجيل والتأمل:
فقد يكون هناك مبرر (ولو كنا لا نوافق عليه) لكي يتحدث الرئيس الجميل بعد الانتخابات، فيركز على البعد الطائفي وعلى أن منافسه نجح بالصوت الإسلامي. فالرجل يدرك أن معركته كانت في جزء أساسي منها حول المرجعية السياسية المسيحية في نظام ما زال يقوم على الطائفية. ولكن ما يقوله الجميل هو ـ من زاوية أخرى ـ عنصر إيجابي في التجربة التي جرت. ففي دائرة مختلطة فإن من عناصر قوة الفائز أن يأتي بأصوات الأرمن والشيعة والسنة (حتى لو قل عددهم) بجانب الأصوات المارونية.
إن أحد العناصر الأساسية في ظاهرة عون وخاصة عند الأجيال الجديدة، هو الانحياز لدولة علمانية تعلو فوق الطائفية، وتوفر لكل أبنائها الحقوق المتساوية، ولا تعترف بالوراثة السياسية التي مثلت نوعاً من الإقطاع السياسي. وإذا كان هذا الجانب قد تراجع في الفترة الأخيرة في ظل صراع عون مع منافسيه من الطائفة المارونية وسعيه لمقعد الرئاسة، وتركيزه على أنه الممثل الأقوى للمسيحيين الذي حصل تياره على 70% من أصواتهم، فلعل الأوان قد آن للتركيز مرة أخرى على هذا الجانب من دعوته، والذي يمثل طوق النجاة الأساسي للبنان، بعد أن تجاهل الجميع مقررات الطائف في هذا المجال، وعمدوا إلى ترسيخ الطائفية خدمة لمصالح ضيقة.
مفهوم أن يتم استخدام كل الوسائل في معركة انتخابية تجاوزت حجمها بكثير، وفي دولة مثل لبنان تمر بظروف استقطاب حاد، وتتداخل فيها الصراعات الداخلية مع حروب إقليمية مرشحة للاتساع. وإذا كان الهجوم في هذه الانتخابات من جانب الأكثرية قد تركز على تحالف عون مع حزب الله وحركة أمل، وهو هجوم اعترف عون نفسه بتأثيره في الجماهير المسيحية وأرجعه إلى تقصير من جانبه في شرح الأمر للقواعد المسيحية.
ومع أنه كان من الصعب اتهام عون بالتحالف مع سوريا أو إيران، إلا أن ذلك لم يمنع الجميل وحلفاءه من التأكيد على تواصل «المرشح الآخر» مع المحور الذي يصل إلى سوريا، ومن أن يقف أحد ورثة البيوتات السياسية (دوري شمعون) أمام عدسات التلفزيون ليتحدث معلناً الفرمان الذي لم يتم تنفيذه: ممنوع أن ينتصر ميشيل نصر الله (يقصد ميشيل عون).
إذا كانت الخصومة السياسية قد أوصلت إلى هذه المواقف، فإن العقل السياسي يقول إن تحالف عون مع حزب الله وحركة أمل كان، وما زال، أحد الأمور الأساسية التي منعت لبنان من الانزلاق إلى حرب أهلية لا تبقي شيئاً. ولنتصور لو أن عون كان في الجانب الآخر، وكان حزب الله وحركة أمل وحدهما في مواجهة صف مسيحي يجري تخويفه بان الدولة الإسلامية قادمة لا محالة، وفي مواجهة فتنه يجري زرعها بدأب بين الشيعة والسنة، ومع حضور كوارث مثل فتح الإسلام والتنظيمات المشابهة لها.. هل كان شيء سيمنع كارثة حرب أهلية تبدو الحرب السابقة التي استمرت خمسة عشر عاما بجانبها أشبه بلعب الأطفال؟
وهنا تقفز إلى الذهن مقاربة سريعة لجانب من المشهد العراقي. فالعراق المنكوب الذي كان بعيداً عن هذه الفتنة الطائفية إلى حد كبير حتى الغزو الأميركي، سرعان ما سقط في هذه البئر التي لا قرار لها والتي كان الاحتلال الأميركي مصراً على إغراق العراق فيها. فالديمقراطية التي بشر بها الرئيس بوش تجلت في نظام قام على أسوأ طائفية يمكن تصورها.
جاء الاحتلال معه بالميليشيات التي كانت تعسكر في إيران، وانطلق من وهم أن حكم صدام كان يمثل السنة، وبالتالي فإن الشيعة سيرحبون بالاحتلال بجانب الأكراد. وانتهى الأمر بحرب طائفية زاد من لهيبها استغلال الأطراف الخارجية للموقف، ودخول التنظيمات الموالية لـ «القاعدة» وترحيب الاحتلال بها في البداية، على أمل أن تسيء لسمعة المقاومة الحقيقية للاحتلال وتجعل العراقيين ينفضون من حولها.
وفي لحظة من اللحظات كان هناك تصور أن رجلاً مثل مقتدى الصدر يمكن أن يلعب دوراً في منع الكارثة، بعد أن أصبح التقسيم الطائفي واقعاً، وتراجعت القوى العلمانية والقوى التي تستهدف إقامة الدولة المدنية الخاضعة للدستور.
لكن هذا الرهان سقط، وسقط تيار الصدر في صراعات مع باقي الميليشيات من أجل زعامة الطائفية الشيعية والسيطرة على المحافظات التي فيها أغلبية شيعية. وهكذا تحول الوضع إلى مأساة لن تقتصر على العراق، بل ستمتد إلى المنطقة بآثارها الوخيمة.
إن إلغاء الطائفية السياسية سوف يستغرق وقتا وجهدا، سواء في لبنان أو العراق، ولكن الخضوع لهذا الواقع سيعني الكارثة، بينما تثمر محاولات التطويق والتحالفات الأساسية في تحقيق خطوات على الطريق حتى نجد الحزب الذي يضم الشيعة والسنة والأرمن والمارونيين في سبيكة لبنانية واحدة، وحتى تعود للعراق ذاكرته السياسية التي عاش بها منذ الاستقلال، وخاض بها معارك الحرية والتنمية من خلال أحزاب لم تعرف الطائفية واستوعبت الجميع.
من هنا أردت التركيز على هذه النقطة الأساسية في معركة المتن الشمالي في لبنان لا من أجل نصرة فريق على فريق، وإنما من أجل مستقبل للبنان لا يقوم على الطائفية، ولا يجر الجميع إلى حرب أهلية تحاول أطراف دولية وإقليمية إشعالها، ومازال العرب، للأسف الشديد، عاجزين عن التصدي لها.