يعكس قرار مجلس الامن الدولي الذي صدر بالاجماع يوم امس بتوسيع دور الامم المتحدة في العراق، حقيقة المأزق الاميركي، مثلما يعكس رغبة الرئيس بوش بتصدير الازمة مجددا الى المنظمة الدولية، او اشراكها في تحمل مسؤولية فشل سياساته بعد اربع سنوات من الغزو والاحتلال.

القرار يبدو غامضا، ولم يحدد طبيعة الدور الجديد للامم المتحدة، والشيء الوحيد الواضح فيه هو الدعوة الى زيادة عدد موظفي الامم المتحدة، وعودة ممثلها الى بغداد، وتقديم هؤلاء النصح والدعم والمساعدة للحكومة العراقية في عدة مجالات، بينها المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية والمتعلقة بحقوق الانسان والانتخابات.

ولا نعرف ماذا يقدم موظفو الامم المتحدة من النصائح للحكومة العراقية، غير تلك التي يقدمها المسؤولون الاميركيون مثل الرئيس جورج بوش ووزرائه الذين هم على اتصال دائم مع الحكومة العراقية ورئيسها، سواء عبر الزيارات الميدانية المباشرة، او عبر الاتصالات الهاتفية.

فالسفارة الاميركية في بغداد التي تعتبر الاضخم في العالم، وتضم مراكز ابحاث ودراسات امنية وسياسية وقانونية، تعمل فيها خبرات متخصصة عالية المستوى، هي الحاكم الفعلي للعراق، ولا نعتقد ان الامم المتحدة وموظفيها يملكون عشر هذه الخبرات والامكانيات.

والاهم من ذلك هو اين سيقيم هؤلاء الموظفون، ومن سيوفر الحماية لهم، ويسهل مهمتهم. فاذا كانت القوات الاميركية البالغ تعدادها 170 الفا عجزت عن حماية المنطقة الخضراء، حيث ينحشر الدبلوماسيون والوزراء والموظفون العراقيون الكبار، فهل ستستطيع حماية هؤلاء خاصة بعد تفجير مقرهم، ومقتل رئيس بعثتهم سيرجيو ميللو عام 2003؟

انها خطوة اميركية يائسة، تؤكد تراجع ادارة الرئيس بوش عن قراره بتهميش المنظمة الدولية، ومنع اي دور حقيقي لها في حروبه في العراق وافغانستان، وقضايا منطقة الشرق الاوسط الرئيسية، مثل قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

فالرئيس بوش، وصقور ادارته، خاصة نائبه ديك تشيني، رفضوا جميعا صدور اي قرار عن مجلس الامن الدولي يعطي شرعية لغزو العراق واحتلاله، وتجاوزوا كل قرارات مجلس الامن الدولي بشأن تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، من خلال تأسيس اللجنة الرباعية الدولية، واصدارها خريطة طريق للتسوية، عجزت تماما عن تحقيق اي تقدم على مدي السنوات الاربع الماضية.

رد الاعتبار للمنظمة الدولية، والاعتراف بدورها في حل النزاعات، امران على درجة كبيرة من الاهمية، ولكن شريطة ان تكون اي خطوات في هذا الاتجاه على درجة كبيرة من الجدية، وتعكس نوايا صادقة في هذا الخصوص، وليس مجرد غطاء للتهرب من المسؤولية، والتخلص من التبعات المترتبة عليها.

الادارة الاميركية الحالية فشلت في العراق، ومنيت بهزيمة عسكرية واخلاقية لا لبس فيها او غموض، وعليها التسليم بهذه الحقيقة، ودفع كل الاثمان المترتبة على هذه الهزيمة، وتجاوزها للشرعية الدولية. اما محاولتها تصدير الازمة الى المنظمة الدولية، بهذه الطريقة الارتجالية، فأمر مرفوض ومدان، ولن يغير من واقع الامور على الارض.