هل يريد مواطنو دول الخليج الديمقراطية؟ حقا هل فكر أحد في استطلاع رأي مواطني دول الخليج حول ما إذا كانوا يريدون العيش في ظل الديمقراطية؟ الأهم أي شكل للديمقراطية يريده مواطنو دول الخليج؟
إذا ما وضعنا جانبا الاتهام الموجه دوما للحكومات الخليجية بأنها مترددة في الأخذ بالديمقراطية، فهل فكر أحد في استطلاع رأي المواطنين الخليجيين في قضية الديمقراطية..؟
هذه التساؤلات لا يطرحها شخص لا يؤمن بالديمقراطية بل على العكس، بقيت طيلة سنوات وحتى اليوم من المطالبين بإحلال الديمقراطية وإشاعتها في مجتمعات الخليج. ابعد من هذا أرى أنها الخيار الاستراتيجي الذي لابد منه، بل وقد تكون الخيار الوحيد وقد تجد الحكومات أنفسها مجبرة على الأخذ به. لكن ماذا لو طرحنا هذا السؤال على مواطني دول الخليج وحاولنا استطلاع رأيهم في مستقبلهم؟
أطرح هذا السؤال ولدي أجوبة لم استقها من معاهد أو مراكز أبحاث ولا من مؤسسات استطلاع رأي، بل من مواطنين في أكثر من بلد خليجي، يرون أن الديمقراطية ستقضي على نموذج الرفاهية الذي يتمتعون به حاليا.
بعضهم يقول بوضوح إن الديمقراطية ستقضي على ما يتمتعون به من امتيازات مالية حاليا لأنها ستأتي بالضرائب. آخرون يرون أنها ستدفع بالانقسامات في أوساط المجتمعات الخليجية إلى السطح، كل أشكال الانقسامات التي يمكن أن تخطر على البال: الطائفية والعرقية والقبلية والسياسية.
هل هم محقون في مخاوفهم هذه؟ حتى اليوم يوجد نموذجان للديمقراطية في دول الخليج، الكويت والبحرين. وفي ما خص الكويت، فان تجربتها الديمقراطية أما موضع انتقاد حاد أو موضع إعجاب. بالنسبة للبعض، يشار إلى التجربة الكويتية على الدوام باعتبارها ديمقراطية أعاقت نمو البلد والمجتمع.
أما الأمثولة هنا فهي أن مجموعة صغيرة من النواب ظلت تعمل على مقاومة التغيير على أكثر من صعيد، سياسيا واجتماعيا، والجدل الذي استهلك الكويت عقودا من الزمن حول مشاركة النساء مثال واضح على هذا.
لكن في التجربة الكويتية عناصر جذب أخرى لا تقاوم: رقابة شعبية فاعلة، شفافية ومصارحات ونقد، ووزراء يستقيلون من مناصبهم إذا ما أفضت المحاسبات إلى إثبات مسؤوليتهم عن أية مظاهر للخلل أو هدر في المال العام. بل إن التعديلات الوزارية والدعوة إلى الانتخابات تصبح أحيانا الخيار الوحيد للخروج من أي أزمة سياسية.
ماذا عن البحرين؟ رغم عمرها القصير، مازالت تجربة البحرين الديمقراطية عاجزة عن كسب الكثير من المعجبين، والسبب قد لا يعود للشكوى التي لا ينفك البحرينيون عن تكرارها، من تداخل السلطات أو نقص الصلاحيات الرقابية للبرلمان أو نزوع التيارات الإسلامية في البرلمان نحو الانتقاص من الحريات الفردية.
إن للشكوى هنا من الديمقراطية البحرينية مظاهر عدة، كثرة المسيرات والاحتجاجات في الشارع، والقضايا تتراوح من الهموم المعيشية إلى أكثر الملفات الشائكة، مثل الدستور وتعويض ضحايا العقود الماضية من المواجهات والسجن والنفي.
ثمة مظهر آخر يقلق البحرينيين والخليجيين كثيرا: تصاعد النزعات الطائفية، وهذه لا تزال تلقي بتأثيرها حتى على صناع القرار في البحرين الذين يبدون حذرا وقلقا متزايدا من هذه النزعات، وتأثر البحرين بكل عوامل التأثير الإقليمية خصوصا ما يجري في العراق.
أليس للديمقراطية في البحرين أي جانب واعد أو مبشر؟ من الواضح تماما أن تلك الأعراض الجانبية المشار إليها كفيلة بحجب أي تقدم مهما كان بسيطا. ورغم الانتقادات اللاذعة التي يتعرض لها نواب البرلمان، فان هؤلاء رغم انتماءاتهم الفكرية والسياسية المتباينة، تجمعهم قضية واحدة: تحسين مستوى المعيشة.
منذ انطلاقته في 2002 وحتى اليوم، انشغل نواب البرلمان البحريني، وخصوصا أعضاء مجلس النواب (المنتخبين)، بتحسين مستوى المعيشة. وإذا ما وضعنا جانبا ذلك النوع من مقترحات القوانين المعبرة عن توجه النواب الإسلاميين التي تنزع دوما إلى الضبط الأخلاقي وتثير القلق لدى شرائح واسعة من السكان، فان هناك عددا لا بأس به من مقترحات قوانين تسعى لتحسين ورفع مستوى المعيشة للمواطنين البحرينيين.
إنها قضية يشترك فيها جميع النواب، والمحرك الأساسي هنا لدى جميع النواب هو «محاولة الاستفادة من فوائض ارتفاع أسعار النفط» وتوظيفها في قوانين وإجراءات لرفع مستوى المعيشة. فعلى مدى أربع سنوات وأكثر، ناقش مجلس النواب مقترحات عدة لرفع المعاشات التقاعدية، واقتراحا بإنشاء صندوق للأجيال القادمة يتم تمويله من مبيعات النفط، واقتراحات لدعم الأسر المحتاجة والأرامل والمتقاعدين وغيرها من الاقتراحات.
بعض هذه الاقتراحات تمت المصادقة عليه ومن المقرر أن يصدر على شكل قوانين، لكن حبال الديمقراطية الطويلة ومتاهة اللجان لا تزال تحول بين البحرينيين وبين الشعور بمكاسب حقيقية من الديمقراطية. هل يملك نموذج الكويت والبحرين أي عوامل للجاذبية والإغراء رغم المآخذ التي ستطرح على أي منهما؟
أيا كان الجدل هنا وأيا كانت حجج الفرقاء، فإننا في النهاية سنكون أمام جواب واحد: هذه هي الديمقراطية. فهي ليست وصفة جاهزة، بل أداة تنمو وتتطور وتثرى بالتجربة والممارسة. لقد اتجهت معظم دول الخليج نحو أشكال متفاوتة من المشاركة الشعبية، انتخابات جزئية في الإمارات وأخرى في سلطنة عمان ومجالس بلدية منتخبة في قطر، لكن السؤال سيبقى مطروحا: أي نوع من الديمقراطية يريد مواطنو دول الخليج؟
فالجدل القائم منذ وقت ليس بالقصير، يضع نموذج الرفاهية في هذه الدول في مقابل الديمقراطية، ليبدو ذلك النموذج وكأنه الثمن الذي يتعين على هذه المجتمعات أن تدفعه. هل هذا صحيح؟ بالنسبة للكثيرين فان نموذج الرفاهية هذا هو بالضبط ما يجعل الديمقراطية قضية مؤجلة في مجتمعات الخليج، لكن السؤال يفرض نفسه: إلى متى؟
أيا كانت الرؤية وأيا كانت المبررات، فمن الواضح أن على مجتمعات الخليج أن تفكر منذ الآن في خيارات المستقبل، وطالما أن القناعة تبدو واضحة لدى حكومات دول المنطقة بضرورة المشاركة الشعبية، بدليل الخطوات المتدرجة نحو الديمقراطية، فان الأمل هو أن يكون هذا التدرج مسارا لا يخطئ هدفه النهائي.
كاتب بحريني
