التوصل إلى تسوية سلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين مجرد خيال. هذه المقولة جاءت على لسان وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك الذي كان رئيسا للوزراء قبل ست سنوات. باراك قال في حديث نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أمس إنه لن يتم التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين قبل خمس سنوات على الأقل.
أما مبرره الصريح في ذلك فهو أن السنوات الخمس ـ كما قال ـ هي الوقت اللازم الذي تحتاجه إسرائيل لتعزيز قواتها ضد ما أسماه «الصواريخ التي يطلقها الفلسطينيون من قطاع غزة على جنوب إسرائيل». تصريحات باراك تؤكد عدة حقائق تكشف عدم جدية إسرائيل في إحياء المسيرة السلمية:
- فهو أولاً باعترافه ـ ولو بشكل غير مباشر ـ يريد تقوية ذراع إسرائيل العسكرية لتطول كل الفلسطينيين. وهذا يعني أنه بالتأكيد يخطط، بحكم كونه وزيرا للدفاع، لتوجيه ضربات مميتة ضد الفلسطينيين، سواء باستخدام وسائل عسكرية متطورة كما أشار، أو بما لدى الدولة العبرية من أسلحة كفيلة بإبادة مدن وقرى فلسطينية.
باراك قال بالنص: «لن يكون بالإمكان التفكير في فكرة الانفصال عن الفلسطينيين قبل أن نجد الطريق لحماية مواطني إسرائيل من كل تلك الأشياء المتطايرة فوق رؤوسهم (أي الإسرائيليين) من صواريخ القسام وحتى صواريخ شهاب الإيرانية».
واستطرد انه «ستمر ما بين ثلاث إلى خمس سنوات حتى ينتهي جهاز الأمن من تطوير رد على الصواريخ المختلفة التي تهدد مراكز التجمعات السكانية في إسرائيل، وحتى ذلك الحين لا يمكن الحديث بتاتا عن انسحاب من المناطق الفلسطينية».
ويفسر المحرر السياسي لصحيفة يديعوت أحرونوت هذه التصريحات بأن باراك يعلم أن استطلاعات الرأي أظهرت أن أغلبية الإسرائيليين يتواجدون من الناحية السياسية في المربع المركزي اليميني ولا يتزحزحون عنه، ولذلك ينتهج خطاً سياسياً ـ أمنيا لا يتلاءم تماما مع خط حزب العمل الذي يسعى بشكل تقليدي لانسحاب جزئي وسريع نسبيا من الضفة.
- باراك، باستهزائه بعملية السلام من خلال هذه التصريحات، ينقل رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن على الأميركيين ألا يسرعوا الخطا نحو إنعاش المسيرة السلمية، حتى تفرغ إسرائيل من تنفيذ مخططها العدواني المقبل الذي يستهدف ضرب كل البنى الفلسطينية المتوافرة لدى المقاومة الفلسطينية.
وهو بالتالي يحرض واشنطن على أن تجعل مؤتمر السلام المزمع عقده في الخريف المقبل، مجرد واجهة شكلية بلا مضمون وبلا قرارات أو اتفاقات أو حتى توصيات. يريد باراك، وبالطبع معه رئيس حكومته ايهود اولمرت، أن يكون المؤتمر مجرد لقاء إعلامي، مع إطلاق تصريحات وردية لزوم مجاملة الأطراف العربية التي قد تشارك فيه!
وإذا كان البيت الأبيض يريد من خلال الدعوة لهذا المؤتمر أن يؤكد أن سلام الشرق الأوسط مازال من أولويات السياسة الأميركية، فإن باراك يأمل أن تتبنى الإدارة الأميركية رؤيته ليدحض آراء من سيقولون من الآن فصاعدا إن تصريحاته هي تحدٍ للجهود التي تقودها الولايات المتحدة لإحياء مفاوضات السلام (وهو تعليق وكالة رويترز عندما بثت تصريحاته أمس).
- حديث باراك أيضا، رغم محاولة نفيه لاحقا، يؤكد أنه لا ثقة في وعود إسرائيل. فقد قيل قبل نشر تصريحاته: إن الفلسطينيين تلقوا تأكيدات من أولمرت بأن إسرائيل ستوافق بحلول الأسبوع المقبل على إزالة بعض من مئات نقاط التفتيش والمتاريس وحواجز أخرى تقيد تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وأمس ذكرت الصحيفة الإسرائيلية ذاتها ان باراك قال انه لن ينفذ خطط رئيس الوزراء الإسرائيلي لإزالة المتاريس والحواجز العسكرية من الضفة الغربية، رغم أن أولمرت كان قد تعهد بها في قمة شرم الشيخ الأخيرة.
هكذا يكشف باراك بتصريحاته حقيقة النوايا الإسرائيلية، وينسف الجهود الأميركية لإحياء العملية السلمية، كما ينسف بالتالي أي مبرر للتفاؤل بعودة إسرائيل إلى الشرعية الدولية والقبول بمتطلباتها لتحقيق السلام المنشود.
