نتذكر في الأيام الأولى من العدوان الأميركي على العراق (ربيع 2003) أن إدارة الرئيس جورج بوش وجهت اتهامات عدة لسورية منها: أنها تقدم مناظير ليلية لنظام صدام حسين تهدد حياة الجنود الأميركيين.
حينها اكتشف العالم أن هذه التهمة استندت إلى معلومة يتيمة نشرتها إحدى الصحف الاسرائيلية ولم تؤيدها أي جهة أخرى، بل اكتشفت إدارة بوش أنها كذبة مفبركة ذات غرض مفضوح ومع ذلك لم تتراجع عن كذبتها، وكيف تفعل إذا كان غزو العراق قام على كذبة كبرى؟. لماذا نعود إلى هذه الحادثة وقد مرّ عليها أربعة أعوام؟
ببساطة ما جعلنا نتذكر ذلك ،الاتهامات التي توجهها إدارة بوش نفسها لإيران هذه الأيام بأنها وراء تهريب أسلحة إلى العراق تهدد حياة الجنود الأميركيين الذين قطعوا آلاف الأميال «ليدشنوا» معتقل أبو غريب، وينسفوا البيوت وينكلوا بأبناء الشعب العراقي، والنتيجة ـ حسب الأرقام غير النهائية ـ تقترب من مليون شهيد عراقي.
من حق أي رئيس دولة أو حكومة أن يخاف على شعبه ويعمل على حمايته ويوفر كل فرص الازدهار والتقدم والدعة لمواطنيه ، لكن عندما يلقي بشباب بلده في الجحيم، لايحق له تحميل الآخرين مسؤولية موتهم، خاصة أن إدارة بوش حصلت على شرف الدخول في موسوعة غينيس للأرقام القياسية في الكذب والتضليل ربما على مدى تاريخ البشرية، وهنا بيت القصيد.
فالرئيس جورج بوش، الذي يعتبر الواجهة الرسمية للمحافظين الجدد، يجد نفسه تحت ضغط الوضع العراقي المتأزم ، وعجز الجيش الأميركي في ضبط الأمن ومنع العمليات الإرهابية التي تستهدف الأبرياء من جهة، والحد من عمليات المقاومة العراقية التي باتت تكبد جيش الاحتلال خسائر فادحة في العتاد والأرواح من جهة أخرى.
أمام هذا الوضع وأمام الصفعة التي تلقاها مشروع الشرق الأوسط الجديد لا يجد الرئيس بوش وإدارته إلا الكذب والاتهامات المتسرعة لتعليق الاخفاقات الأميركية على مشجب سورية حيناً، وإيران أحياناً، بل لا يتوانى بوش هذا عن الغمز من قناة الحكومة العراقية نفسها.
الكذب الأميركي ماركة مسجلة، والاعتماد على الاتهامات الجاهزة أضحى سياسة رسمية لدولة عظمى لا تخجل المرة تلو الأخرى من انفضاحها منذ ظهور وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول ليعلن أنه كذب وأن «الأدلة الدامغة» التي قدمها شخصيا أمام مجلس الأمن الدولي والتي «تؤكد» امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، كانت أدلة كاذبة ومفبركة وهدفها فقط تبرير العدوان على العراق منذ تلك الكذبة وحتى اليوم.
و... حبل الكذب طويل بالنسبة للسيد بوش وصديقته المفضلة الآنسة كوندوليزا رايس التي تفوقت على معلميها في فن الكذب، فهي دائما لديها ما تقوله عن الشرق الأوسط، مع أن مجال اختصاصها هو الشأن الروسي.
فسورية تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة: تتدخل في الشأن اللبناني وتزوّد حزب الله بالسلاح وتقوض عملية السلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وتهدد الأمن العراقي عن طريق سماحها بتسلل الإرهابيين إلى العراق وغيرها من التهم مسبقة الصنع.
وهنا ننصح الآنسة رايس بتسجيل هذه الاتهامات على اسطوانة مدمّجة (D.C) أو (D.V.D) كي لا تتعب حبالها الصوتية لكثرة التكرار، اللهم إلا إذا كان في نية الآنسة السمراء اختراع اتهامات جديدة كأن تكون سورية مسؤولة عن كوارث العالم، واتساع ثقب الأوزون، وإبادة الهنود الحمر وإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي.
ولنسأل بجدية: هل سورية هي من يحتل العراق، وهي من يتدخل في الشأن اللبناني؟ أم إدارة بوش وجيوشها وسفيرها فيلتمان؟. بماذا تفسر إدارة بوش اعتبار حكومة دولة ما تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة في صلب الأمن القومي الأميركي؟ وأي شخص أو جهة قد تعارض هذه الحكومة تفرض عليها أشد العقوبات.
وبماذا تفسر الآنسة رايس استقبالها الحافل والمبالغ به لسفير لم يحظ بموافقة رئيس جمهوريته ولا يعتبر سفيراً استناداً إلى القوانين والأنظمة و... الدستور؟.
و... الأسئلة كثيرة جداً، لكننا لن ندخل في التفصيلات، لأن إدارة بوش تتعامل مع قضايانا نحن العرب، من العراق إلى لبنان مرورا بالأراضي الفلسطينية، بانتقائية غريبة، وبمنطق مقلوب، فيصبح الشرعي خارجاً على القانون والإرهابي والمجرم رجل سلام، والمقاوم المدافع عن الأرض والاستقلال إرهابياً مطلوباً «للعدالة» الأميركية طبعا.
آن للإدارة الأميركية أن تخجل من نفسها وأمام شعبها أولاً الذي يقول: لا لسياساتها وممارساتها الإجرامية وحبل كذبها الطويل. لكن.. مهما كان حبل الكذب الأميركي طويلاً فسيأتي اليوم الذي يُقطع وينتهي، والشعب الأميركي أول من سيقوم بهذه المهمة، لأنه أول المتضررين من سياسة المحافظين الجدد وكذبهم وإرهابهم.
