في الوضع السياسي الدولي الذي تهيمن عليه أميركا، تحولت الأمم المتحدة إلى احتياطي سياسي يُستدعى عند الحاجة، وبدلاً من الافتراض أنها وسيط بين خصوم ومتحاربين، صارت ظلاً للقوة الأولى في العالم، بدليل أن القضايا الساخنة الكبرى من أزمة كوريا الشمالية، وتسلح إيران، وخلافات الهند مع باكستان، والصين مع تايوان، مروراً بفلسطين والسودان وأزمات أميركا الجنوبية مع الشمالية، فإن دور الأمم المتحدة يأتي بمؤخرة الفاعلين الأساسيين.
العراق الذي حولته أميركا إلى شبكة من التناقضات التي تهدد بحروب بين الخصوم والأصدقاء من أصحاب المذهب الواحد والقومية الواحدة، وحتى الأرومة المتفق عليها، شعرت أميركا أن كل حلولها غرقت بنهري دجلة والفرات، وأن تحقيق مكسب سياسي، ونفطي لأحد أهم الدول باحتياطيات الطاقة، أوصل المغامرين في البيت الأبيض والبنتاجون إلى قناعة أن الخروج من المأزق أمر فرضته وقائع لم تكن الاحتمالات الأميركية تضعها في حساباتها..
ما الذي ستفعله الأمم المتحدة في بلد كل شيء فيه تهدم، الأخلاقيات، والدين والإنسان،، واستوطن فيه الإرهاب، والموت بالنيابة عن دول الإقليم والعالم الخارجي، وصار التاريخ والغازي وأئمة السنة والشيعة، والقبيلة، وموارد النفط المتنازع عليها حتى من أصحاب الطائفة الواحدة، مؤهلات وحوافز للحرب، وكيف لمنظمة عاجزة وشبه مشلولة أن تطبق قرارات دولية، أن تقوم بمصالحة لقوى تتمزق وتتحارب على كل شيء؟..
قد تكون الأهداف الأميركية أن تجعل الغطاء الدولي ممراً لخروجها من العراق، كمبرر مقبول للشعب الأميركي، وخصومها، لكن مثل هذا الإنقاذ بوسيلة عاجزة، لا يمكن أن يكون بديلاً ناجحاً، لأن العراقيين أنفسهم، قبل من يعملون من خلفهم على محاربة أميركا سيكون لديهم قناعة تامة، بأن الهيئة الدولية مجرد مندوب لأميركا، وبالتالي فأول مبادئ الثقة بأي نشاط لها، ستكون ناقصة التأهيل والدور ومن ثم القبول..
ثم ماذا لو اجتمع أعضاء الهيئة الدولية، وصوتوا بقرار له أغلبية مطلقة على بقاء الجيش الأميركي، تساعده قوى دولية أخرى، هل من دولة ستجازف بإرسال جيشها إلى بيئة خطرة أعجزت الدولة الأولى عالمياً، وهم يشاهدون فشلاً ذريعاً للأدوار العسكرية والسياسية، وأن جيوش الدول التي أيدت الغزو، هي من تهرب وحتى من جاءت بدواعي مساعدة العراقيين إنسانياً؟..
السكرتير الراهن "بان كي مون" ربما تدفعه أمانيه أن يكون رجل مرحلة في هذه الهيئة، لكن الظروف لن تساعده، لأن أي عمل تتعهده الأمم المتحدة سوف يدخل مزايدات أعضاء مجلس الأمن، لتضاف إليه تكاليف مادية في تواجد أي قوة أممية، وهذه الأسباب تجعل البديل عن أمريكا لن ينجح، لأن التجربة المريرة أعطت الدروس المستفادة إلا لساسة ومحافظي الدولة العظمى التي لا تزال تخادع بانتصارها..
