الشطرنج أشبه الألعاب التقليدية بالحرب لكنه حرب دون بارود، ومنذ استخدم ضابط المخابرات الأميركي وليم جاي كار تعبير «رقعة الشطرنج» في كتابه ذي الشهرة الأسطورية «أحجار على رقعة الشطرنج» ليصف التحولات على ساحة السياسة والتشبيه صالح لوصف الكثير من حالات الصراع الإقليمية والدولية.

صحيح أن وليم جاي كار استخدمه ليشير إلى سيطرة محافل سرية على القرار السياسي في العالم إلا أن لهذا التشبيه ظلالاً أخرى، فهو مثالي لتصوير لعبة التسلل لمنطقتنا على أطراف الأصابع، وقد بدأت بعض القوى الدولية تتبادلها في صراعات النفوذ الضارية، وهي تشبه في تحولاتها لعبة الشطرنج فعلاً.

«كش ملك» هو التعبير الذي يستخدمه لاعب الشطرنج وهو يحرك إحدى قطع الشطرنج الحركة الأخيرة لتنتهي المباراة، ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي وأميركا تبدو الطرف الوحيد على ساحة السياسة الدولية الذي يستطيع أن يقول لخصومه «كش ملك».

ومن الممكن النظر إلى غزو العراق بوصفه ترجمة عملية لهذه العبارة فالأميركيون بغزوهم العراق أرادوا أن يقولوا «كش ملك» لكل خصومهم (روسيا، الصين، فرنسا)، لكن ما يحدث الآن أن «ملك الشطرنج» المحاصر عاودته صحوة لا أحد يعلم ما إذا كانت صحوة عارضة أم عودة للعبة الشطرنج التي لا تخلو من قسوة وإثارة معاً!

اللاعب الصيني يبدي مرونة وواقعية بلغت قمتها في تخليه عن ورقة دارفور وإقناعه الحكومة السودانية بقبول قوات مختلطة طالما رفضتها وهو تراجع صيني واضح أمام الضغط الأميركي المتواصل. واللاعب الفرنسي يزاوج بين الممكن والمأمول فيتقدم على جبهة شمال افريقيا بمشروعات للتعاون في المحيط الجغرافي الذي تعتبره أميركا الجزء الأهم من رقعة الشطرنج العالمية، ويتراجع في الملف السوداني.

أما اللاعب الروسي فأعاد أجواء اللعب الخشن ورفع درجة حرارة رقعة الشطرنج: تعليق اتفاقية الأسلحة التقليدية، إعلان عن استعداد لاستخدام الفيتو في ملف استقلال كوسوفو، إعلان عن إنتاج أسلحة غير تقليدية جديدة، وفي نهاية الشوط الظهور لأول مرة بقاعدتين عسكريتين على ساحل البحر المتوسط. وهكذا أصبحت رقعة الشطرنج أكثر إثارة وأصبحت خطوات اللاعبين عليها ليست مجرد رد فعل للولايات المتحدة.

الأهم في اللعبة أن عالمنا العربي هو الساحة التي تدور فيها التحركات الأكثر خطورة وغالباً ستتوقف عليها نتيجة المباراة، ونحن وبلادنا كما قال الكاتب المصري محمد حسنين هيكل قبل غزو العراق مباشرة ساحة للصراع أو حسب تعبيره «ميدان لضرب النار»، ومصير الصراع الدولي سيحسم على أرضنا، ومن مفارقات التاريخ أن هذا ليس جديداً.

فكما كانت معركة العلمين التي دارت على أرض مصر النهاية الحقيقية للجيش النازي حتى قبل أن يبدأ غزو نورماندي والإنزال العسكري لقوات الحلفاء التي احتلت ألمانيا، وإذا كان بعض المحللين (وبينهم المفكر المصري الراحل الدكتور جمال حمدان) يرى أن هزيمة يونيو 1967 كانت البداية الحقيقية لانهيار الاتحاد السوفييتي فإن المعارك التي تدور على أرضنا الآن ستحسم مصير التدافع الشرس على ساحة السياسة الدولية بين أميركا وخصومها.

وربما رسمت الخطوط العريضة للمشهد الدولي لعقود مقبلة. وبديهي طبعاً أن الرقعة ليس لها دور في تحديد نتيجة مباراة الشطرنج لكن المباراة التي نتحدث عنها تدور على أرض يسكنها بشر لهم قناعاتهم وانحيازاتهم وأشواقهم، وإذا كان نجاح المشروع الصهيوني قد استلزم ترويج أكذوبة أن فلسطين «أرض بلا شعب» فإن تحويل العالم العربي من أوطان تسكنها شعوب إلى «أرض بلا شعب» قد يكون من شروط استمرار هذه المباراة مع غياب أي مشاركة عربية.

ونحن حتى الآن نشارك اللاعبين في الحدود الدنيا ونرسم الخطوط العريضة لسياستنا بناء على مواقف هذا الطرف أو ذاك، وقد تعمقت الأزمة إلى حد أن أزمة مثل دارفور لم تشارك في تحديد مسارها مظلتنا الإقليمية «جامعة الدول العربية» بأي درجة، في مقابل تأثير كبير ملموس للاتحاد الافريقي، ما يعني أن الوزن النسبي لتأثيرنا تضاءل - ليس فقط مقارنة بهذه القوة الكبرى أو تلك بل - مقارنة بالاتحاد الافريقي.

وإدمان الشكوى من التدخل والهيمنة من القوى الكبرى سبب آخر من أسباب المشكلة لأنه يحولنا من «لاعب» ولو على سبيل الاحتمال إلى «ضحية» على وجه القطع، فالتركيز المبالغ فيه على ما يرضي المشاعر وينفس الغضب ويُجسّد الإحساس بالظلم.

ولا يكاد يكون هناك نصيب في خطابنا لما يمكن عمله لنغير وضعنا بشكل محسوب ومخطط من رقعة مسطحة تتحرك عليها قطع الشطرنج إلى لاعب يشارك في تحديد نتيجة المباراة. ولمن شاء المزيد من الشواهد على هذه الظاهرة الخطيرة فليتأمل الاتهامات المتبادلة في العراق بين أطراف العملية السياسية بأن كلاً منهم ينفذ «أجندة أجنبية»

وكذلك الحال في السجال السياسي اللبناني الذي لم يعد أي من طرفيه يتحدث عن خلاف في الرؤية أو اختلاف في الاجتهاد أو تفاوت في تقدير الأولويات بل يتبادل الفرقاء شكل لا ينقطع الاتهامات بتنفيذ «أجندة أجنبية». وقل الشيء نفسه عن الصراع المحزن الذي انفجر بين حركتي فتح وحماس في فلسطين المحتلة، فكلاهما يتهم الآخر بالتهمة نفسها.

«والأجندات الأجنبية» تعبير يختصر المفهوم الذي ترسخ للممارسة السياسية في العالم العربي بوصفها «وكالة» عن طرف أكبر، ويمكنك بسهولة أن تجد هذا المعنى في حديث الأنظمة الحاكمة عن المعارضات السياسية، ويمكنك بالسهولة نفسها أن تجده في الأدبيات السياسية للكثير من حركات المعارضة. والكل يشعر بأن العالم العربي ليس أكثر من رقعة شطرنج.

وتلك حالة فقدان ثقة خطيرة، لأن ثمة معنى يتسرب ضمناً لوعينا وهو أن هذا هو الوضع الطبيعي.والمبالغة في تقدير ضعفنا لا تقل خطورة عن المبالغة في تقدير قوة الأطراف الأخرى فكلاهما عجز عن إدراك الواقع. ورغم كل ما يدور على أرضنا وحولنا من صراعات ما زال بإمكاننا أن نكون لاعباً أساسياً.

كاتب مصري