الميليشيات المسلحة، تلك الظاهرة التي صارت أمراَ واقعاً مرعباً في الساحات العربية الساخنة، ليست عنواناً فحسب بل إنها آفة ضارة لا بد من التنبه إليها ورصد نموها الضار في الجسد العربي والإسلامي.

كما لا بد من التمييز بينها وبين المقاومة المسلحة، فشتان بين من يقتل الأبرياء ملثم الوجه والنية وبين من يبارز في ميدان الرجال ألد الأعداء وأكثرهم ضراوة، كاشفاً وجهه ونيته مدافعاً عن كل وطنه بكل أطيافه ومذاهبه وأديانه، وليس مندفعاً بفكر الإقصاء والإبادة والتفريق والتجزئة.

مصطلح الميليشيات ظهر في الأدبيات السياسية بشكل صريح مقترناً بالأنظمة التي تكمم أفواه الأحرار وتحجر على المعارضة، وهو ما اقترن بحكومة فيشي الفرنسية العميلة خلال الحرب العالمية الثانية، وهو التنظيم السياسي والعسكري المرعب والمقيت الذي أنشئ في الأربعينات بالتعاون مع الغستابو الألماني لاصطياد مناضلي المقاومة الفرنسية، سواء بقتلهم أو تسليمهم إلى المحتل، وقد تميزت هذه الميليشيات بارتدائها لوناً خاصاً وسميت وقتها بميليشيات الرداء الأسود.

إلا أن هذا المصطلح أطلقته الأدبيات الغربية منذ منتصف الخمسينات لوصف المقاومة الشعبية التي تتشكل ضد المحتل، وهي بذلك تحاول ربط هذا المصطلح بالمقاومة سبيلاً إلى خلط التسميات بالشكل الذي يقرن حركات التحرر والمقاومة الوطنية بتلك العصابات المتمردة الخارجة عن القانون.

كما وتعرف الميليشيات بأنها مجاميع مسلحة ومنظمة ومدربة ومدعومة، وتمتلك هيكلتها الخاصة لتحقيق مصلحة حزبية معينة وخاضعة لسلطة مركزية. وفي هذا السياق يمكن تعريف الميليشيا باعتبارها الذراع العسكرية لفئة سياسية أو دينية تخوض صراعاً أياً كان دافعه.

المفاهيم قد تأخذنا بعيداً لكنها مقدمة لا بد منها، كما لا بد من تحديد مفهومنا لظاهرة الميليشيات التي بدأت تنتشر في وطننا العربي. فالميليشيات هي تلك الجماعات المسلحة التي تتشكل بفعل إيديولوجيات دينية أو سياسية أو عرقية أو طائفية، وهي ذات أهداف متشعبة ومتغيرة بحسب أهواء وانتماءات القيادات التي تحركها.

هذه الظاهرة لها أكثر من مدخل للتفسير والفهم، من هذه المدخلات..

المدخل السياسي: حيث إن ظاهرة الميليشيات تتشكل أما كمقاومة أو قوى معارضة للنظام السياسي القائم، كما هو الحال مع الميليشيات الكردية والشيعية التي تشكلت ضد النظام العراقي السابق، وكذلك ميليشيات نمور التاميل وميليشيات الجيش الايرلندي الجمهوري (الشين فين)..الخ.

وبالتالي فإن سوء أداء الحكومات أو الأنظمة السياسية وسوء تعاملها مع المعارضين لها، هو دافع أساسي لتشكيل تلك الميليشيات، حتى يصبح كره الحكومة والرغبة في الانتقام منها هو الدافع الأساسي وراء تشكيل تلك الميليشيات.

والأخطر من ذلك أن تعامل الحكومات مع القوى المعارضة تلك لا يحولها إلى ميليشيات تمتهن القتل والانتقام فحسب، بل إن ما يحدث هو أن تلك الميليشيات التي لم يجر التعامل معها في إطار الشرعية السياسية، تستمر في انتهاج العنف والقتل والإقصاء حتى بعد زوال أو إسقاط تلك الحكومات والأنظمة السياسية التي كانت تحاربها، وهذا ما نشاهده في العراق وفي بلدان عديدة وتجارب عديدة.

المدخل القانوني: هذا المدخل يفسر هذه الظاهرة على اعتبارها رد فعل لاضمحلال قوة القانون، فعندما تنعدم الأسس القانونية في التعامل سواء داخل البلد أو على الصعيدين الإقليمي أو الدولي، لابد أن يترتب على ذلك نمو تلك الميليشيات وتحولها بالتالي إلى قوى مسلحة خارجة عن القانون.

فالأنظمة السياسية التي تتجاوز القانون وتسعى إلى تهميشه، لابد أن تتوقع نشوء مثل تلك الميليشيات التي تصبح عنصراً من عناصر إشاعة الفوضى. وكذلك الأمر بالنسبة للقانون الدولي، فالولايات المتحدة عندما بدأت باتباع سياسة القوة الغاشمة وتحدي القانون الدولي والشرعية الدولية، مهدت بذلك لنمو تلك المليشيات أو المنظمات التي تنتهج العنف ديدناً لها.

فعندما تدرك الشعوب أن أكبر القوى الدولية مصرة على انتهاك القانون الدولي والشرعية الدولية، تصبح بالتالي مدركة أن لا قانون يمكن أن يلجم عنفوان تلك القوى، وبالتالي فهي بدورها تنتهج أسلوبها الخاص المنفلت عن كل القوانين والشرائع الدولية.

المدخل السيكولوجي النفسي: هذا المدخل يذهب إلى تفسير هذه الظاهرة على اعتبارها نتيجة وليست سبباً، أي أنها تحدث نتيجة جملة حالات الإهمال والضغط والإقصاء والإبادة والفقر، التي تسلط على جماعة معينة أو أقلية دينية أو سياسية أو ربما حتى أن يخضع لها مجتمع بأكمله.

وتؤدي بالتالي إلى تجمع أفراد هذه الأقلية في مجموعات تحركها زعامات تجيد الضغط على مشاعر تلك الأقليات والتحكم فيها ودفعها إلى استخدام العنف المسلح وسيلة للتعبير عن نفسها، خاصة مع تفاقم الشعور بالعزلة عن المجتمع والعداء والكراهية للسلطة والقانون والنظام، على اعتبارها أدوات لإقصاء تلك الأقليات.

ودعاة هذا المدخل يذهبون ابعد من ذلك، حيث يرون إن معظم تلك الميليشيات تستخدم الرعب في الترويج لنفسها، وذلك لكي تمنح لنفسها القوة والنفوذ في المجتمع الذي عاشت منبوذة ومهمشة فيه، وبالتالي فإن شعور الاضطهاد هو الدافع الأساسي وراء تكوين وتبلور تلك الجماعات.

المداخل الثلاثة السابقة ربما تنجح في تفسير بعض أسباب تكون الميليشيات المسلحة، لكنها مع ذلك تبقى غير كافية للإجابة عن العديد من التساؤلات، من أبرزها: ما الذي يمنح تلك الميليشيات القدرة على البقاء لفترة طويلة؟ ما الذي يؤثر في سلوك تلك الميليشيات فيدفعها إلى الاستمرار في العنف أو التوقف عنه؟ كيف تتشكل تلك الميليشيات؟ ما هو السر وراء تمسك تلك الميليشيات بأيديولوجياتها السياسية أو الدينية؟

الميليشيات المسلحة وكما ذكرنا قد تتشكل لمواجهة محتل أو الدفاع عن البلد إلى جانب القوات النظامية، وعندئذ تصبح مقاومة مسلحة. وتاريخنا العربي لطالما عرف تنظيمات المقاومة المسلحة التي كانت ولا تزال التعبير الصريح عن عروبتنا الأصيلة وروح الجهاد في ديننا الحنيف، وبالتالي فالمقاومة تختلف كلياً عن ما نشهده من تنظيمات الميليشيات المسلحة في العراق، والتي صارت في تنظيمها وأهدافها وسلوكياتها اقرب إلى صورة عصابات المافيا أو عصابات الإجرام.

هذه الصورة قابلة للتجسيد في العديد من دول الشرق الأوسط التي باتت تربة خصبة لنمو تلك الجماعات وتكاثرها، هذا ب الإضافة لدور دوائر المخابرات الدولية والإقليمية في إنماء تلك الجماعات المسلحة التي تعتبر أفضل وسائل خلط الأوراق بين المقاومة وعصابات الإجرام، وبين المعارضة والفوضى وبين المطالبة بالحقوق للأقليات وبين إبادة وإقصاء الآخر.

ما يحدث في العراق من تكاثر ونمو للميليشيات المسلحة، ليس وليد اللحظة ولم يخلق من رحم المحتل فحسب. انه داء كان موجوداً ينتظر لحظة الانتقام والانقضاض على الجسد المريض، ربما كان للسياسات الفاشلة دور في خلق تلك الميليشيات، وربما كان العنف والإبادة الأساس الذي شجع وغذى تلك الميليشيات بالكراهية والنقمة على القانون وعلى المجتمع حتى صارت تعاني من تلك المتلازمة حتى وان صارت في الحكم.. ولكم في ما يحدث في العراق عبرة وعظة.

كاتبة عراقية