منذ استلم جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة خلفاً لبيل كلينتون قبل سبع سنوات، حدد سياسته الخارجية وفق معيار «من ليس معنا فهو ضدنا». وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ترسخت هذه السياسة بشكل عملي ومنهجي، وبدأت تظهر نظريات ومبادئ تمنهج هذه السياسة وتبررها وتدافع عنها.
وكان عنوانها الرئيسي «محاربة الإرهاب» ونشر «الديمقراطية» في العالم، حسب مفهوم المحافظين الجدد ومن يقف وراءهم. وبدأنا نسمع أيضا بما أطلق عليه «محور الشر» والذي شمل دولاً أغلبها عربية وإسلامية بالإضافة لكوريا الشمالية.
ويبدو أن العقلية المسيطرة على البيت الأبيض والبنتاغون هي عقلية «الكاوبوي الأميركي»، تلك العقلية التي أدت إلى إبادة الهنود الحمر سكان أميركا الشمالية بطريقة اقل ما يقال عنها إنها وحشية وغير إنسانية، حيث كان يعيش في تلك البلاد قرابة خمسة عشر مليون هندي احمر هم سكانها الأصليون لحظة وصول الرجل الأبيض الأميركي عام 1492 للميلاد.
وفي شرح لما جرى لهؤلاء الهنود قال احد زعمائهم انه لو ترك أبناء الهنود الحمر يتناسلون منذ ذلك التاريخ بشكل طبيعي لكان عدده اليوم يربو على 250 مليونا، بينما لا يزيد عددهم حاليا على مليون شخص. وإذا كان الذهب الأصفر هو الدافع والمحرك الأساسي وراء ما جرى في العالم الجديد.
فان الذهب الأسود وخيرات العالم بشكل عام هي المحرك للآلة الأميركية اليوم، سواء كانت هذه الآلة شركات أميركية على مختلف أنواعها أو قادة أحزاب أو سياسيين أميركيين، فالمصالح والمكاسب المادية هي ما تسعى أميركا لتحقيقه في شرق الأرض وغربها، دون أي اعتبار لمبادئ أو أخلاقيات ودون التردد في استخدام كل الطرق من دبلوماسية أو عسكرية وترغيب وتهديد ووعيد.
ولتحقيق هذه المصالح والمكاسب فان كل شيء مبرر استخدامه حتى داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها، والذي كان آخره موافقة الكونغرس على تشريع يقضي بالموافقة على التصنت على هواتف الأميركيين بدعوى المحافظة على الأمن ومحاربة الإرهاب.
كما أن المنطقة العربية شملتها إضافة أسماء وشركات وجمعيات جديدة تم ضمها للقائمة السوداء المحظورة والمسموح بمصادرة أموالها، ومنها جمعيات فلسطينية في قطاع غزة مثل جمعية الإصلاح الخيرية بدعوى تأييدها لحركة حماس الفلسطينية التي تعتبرها أميركا حركة إرهابية، إلى جانب حزب الله اللبناني وتنظيم «القاعدة»، بالإضافة لسوريا وإيران.
وبخصوص لبنان تم مؤخرا اعتماد قرار أميركي يقضي بمصادرة أموال وحظر نشاط كل من يعرقل عمل حكومة فؤاد السنيورة ويقف ضدها. إن الولايات المتحدة الأميركية التي ضربت في مثل هذه الأيام عام 1945 مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين وراح مئات الآلاف من الضحايا، ليس بمستغرب ما تقوم به قواتها الغازية في أفغانستان والعراق من جرائم ومجازر تبرأ منها أحرار أميركا والكثير من كتابها وصحافييها ومفكريها،
باعتبارها تضر بسمعة بلاد تمثال الحرية، وتشكل مبررا لحالة العداء الشديد التي بدأت تتزايد في مناطق العالم قاطبة ل«العم سام»، فيما تخرج المظاهرات ضد هذه السياسة الأميركية التي تسعى لفرض وجهة نظرها على العالم بالقوة.
أميركا اليوم كالذئب الجريح أو هي في أحسن وصف «كفيل هائج داخل متحف للخزف»، تضرب أطراف الأرض. وقد تعلمنا صغارا من كتاب كليلة ودمنة كيف قضت ضفدعة ضعيفة وقنبرة صغيرة، على فيل ضخم كان يعيث في الأرض فسادا ويدوس صغار الطيور وأعشاشها بقدميه الضخمتين.
وتعلمنا في الأمثال «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، وتعلمنا في الحكم «لو دامت لغيرك لما وصلت إليك»، كما تعلمنا في السياسة أن «كل نظام يحمل في داخله بذور فنائه»، ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون يشبه الدولة بالكائن الحي وخاصة الإنسان الذي يولد ويكبر ويشيخ ويموت.
وهذا ما انطبق على إمبراطوريات العالم السابقة وعلى حضارات الأمم الغابرة التي سادت ثم بادت، وليست أميركا استثناء بين الأمم والشعوب، خصوصا وان الظلم يؤذن العمران بالخراب وان العدل أساس الملك، فهل من متعظ؟