الاتفاقات العراقية التركية حول المسألة الكردية بأبعادها الإقليمية، كما هي القضية السودانية بأبعادها العربية الأفريقية حول مسائل الجنوب والغرب، والمسألة الطائفية اللبنانية بأبعادها الدينية والمذهبية، والمسألة الثقافية الأمازيغية في المغرب العربي.. كلها تعيد طرح سؤال الهوية للوصول إلى صيغة وطنية جامعة تحق الحقوق الإنسانية للجميع وتفرض الواجبات الوطنية على الجميع.
وسؤال الهوية الذي يطرح نفسه على منطقتنا الممتدة من المحيط إلى الخليج، يفرض على الجميع من كل الأطياف ضرورة البحث عن الإجابة الملائمة عن تلك الصيغة الفكرية والواقعية الجامعة للهوية الوطنية. وإذا كان حسم هذه الخلافات التي تتعدد فيها الرؤى بين أبناء الديانات والقوميات والأيديولوجيات حول الصيغة الجامعة لكل هذه التيارات، يتطلب المزيد من الاجتهادات..
فان هذا الموضوع الهام يستدعي علم العلماء وفكر المفكرين، وآراء الكتاب وبحوث الباحثين للوصول إلى الصيغة الجامعة لكل هذه المجتمعات، وصولا إلى مجتمعات وطنية يكون للجميع فيها ما للجميع من حقوق، وعلى الجميع فيها ما على الجميع من واجبات، كمواطنين متساوين أحرار، في وطن حر واحد.
ورؤيتي المتواضعة في هذا الموضوع أنه فكريا وواقعيا لا يوجد تناقض ولا ينبغي أن يكون هناك أي تناقض في دوائر الانتماء بين الفرد والقبيلة، أو بين القبيلة والوطن، أو بين الوطنية والقومية، أو بين القومية والدين.. تحكم كل ذلك علاقة الجزء بالكل.
فالأفراد الذين تربطهم علاقة الدم تجمعهم القبيلة الواحدة، مسلمة كانت أو مسيحية، عربية كانت أو أعجمية.. والقبائل التي تربطها علاقة الأرض يجمعها الوطن الواحد الذي لا يفرق بينهم أيا كان دينهم أو عرقهم..وأبناء القوميات التي تربطها علاقة النسب الواحد تجمعهم القومية الواحدة بكل مكوناتها الوطنية أو الدينية..
والأوطان التي تربط بينها علاقة العقيدة الواحدة يجمعها الدين الواحد في أمة واحدة بكل مكوناتها القومية والمذهبية. وقد استقرت جميع هذه العلاقات كثوابت فكرية وواقعية في جميع المراحل التاريخية السابقة وفي مختلف المجتمعات.
ولكن التناقضات تنشأ في العادة حينما يختل توازن هذه الأطر في الحريات، أو في هيكل العلاقات بين الحقوق والواجبات، أو في العدالة بين الجماعات، فتضطرب الرؤى والمسارات وقد تتحول التناقضات إلى مصادمات.
وبالديمقراطية التي تتيح مشاركة الجميع في صنع القرار دون إقصاء أو تمييز.. وبالحرية التي تمتد حدودها للأفراد كما للجماعات بلا حدود إلى أن تبدأ حدود حرية الآخرين.. وبالعدالة التي تمنع سطوة فرد على جماعة أو حزب على وطن، والتي لا تسمح بطغيان جماعة على فرد أو وطن على حزب..
وبالمساواة التي تجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات بغير إعلاء لجماعة أو إقصاء لطائفة على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الرأي.. بذلك كله، تحاول المجتمعات صياغة دساتيرها وقوانينها، لكن الممارسة دائماً يمكن أن تخطئ أو تميز أو تتعصب،
حين تباشر تطبيق النص على الناس في الواقع بغير عدالة كافية عندما تمنع بغير حق أو تمنح بغير استحقاق وإذا كان ما نقوله يمكن أن يوجه للأمة كلها وليس إلى وطن بعينه، فإنني في إطار ما سبق من إشارات أرى أن «الإسلام والعروبة» هما الإطار الجامع لكل هذه التباينات، والحل الأكثر ملاءمة لمشاكل الأعراق والأديان والمذاهب.
ذلك أنه إذا كانت العروبة التي تجمع المسلم والمسيحي واليهودي في ثقافة واحدة والذين قد يعودون على اختلاف أديانهم لأصول واحدة، هي الحل لمشاكل الأقليات الدينية تحت عنوان «كلنا عرب»®. فإن الإسلام الذي يجمع العربي والفارسي والتركي والكردي، هو الحل لمشاكل الأقليات القومية والنزاعات المفتعلة تحت عنوان «كلنا مسلمون».
ثم إن الإسلام والعروبة معاً، فكريا وواقعيا، يمثلان جناحي الحل الديمقراطي لهذه المشاكل السياسية في هذا الامتداد الأرضي المتصل والبشري المتواصل، من مشرق الوطن العربي في الخليج إلى مغربه عند المحيط. وقد يرى غيري أنني لا أقدم الحل، ذلك أن هناك بعض من لا يريد الإسلام ولا العروبة، حتى وإن كانوا أقلية ضئيلة أو نخبة معزولة عن التيار الغلاب لشعوبها..
فلماذا فقط الإسلام والعروبة أراهما الإطار الجامع للهوية الوطنية؟!.. والنقاش مستمر.