منذ أوائل الثمانينات، بدأت مشكلة توازن الصندوق العام للتعويض والمعروف بالتسمية الشائعة صندوق الدعم، تُطرح للنقاش السياسي والاجتماعي العام وتُبسط كإشكالية للتمحيص والتأمل والنظر، وتروج لدى أصحاب الاختصاص من التكنوقراطي والفاعلين السياسيين، كما لدى الأطراف الاجتماعية والفرقاء المكوّنين للشرائح المهنية المختلفة، والمنظمات الناطقة باسمها، والمدافعة عن معيشتها.

وبسبب عدة ظروف سياسية واجتماعية، كان تناول هذا الملف يتم في العادة بخشية وحذر، نظرا لانعكاسات تناوله وما يخلّفه من تجاذبات وربّما هزّات ، بعضها أسس لمحطات شهيرةفي تاريخ تونس الحديث، لم تكن بالضرورة مضيئة او مفرحة لا للاطراف الاجتماعية ولا للفاعل السياسي.

ولذلك وعلى الرغم من توفّر حلول واقعية جدّا في تلك الفترة، وسهلة الهضم بالمعنى الاجماعي، الا ان الشجاعة كثيرا ما خانت، والجرأة كثيرا ما غابت في اتجاه حسم هذا الملف بطريقة لا تثقل كاهل الدولة ذات الموارد المحدودة، ولا تربض على اكتاف شرائح اجتماعية كثيرة، ليست قادرة على تحمّل اعباء الحياة بلا دعم، وعلى التعامل مع منطق واقعية الأسعار.

واليوم يواجه الاقتصاد التونسي عدة تحديات،وفي هذا الباب بالذات، اقلّها إلتهاب أسعار الطاقة وعدة مواد أولية أخرى في الاسواق العالمية التي توردّ منها تونس عدة مواد، مع تزايد في حجم استهلاك هذه المواد على غرار القمح اللّين، حيث تشير وثيقة رسمية الى ان حجم استهلاكه السنوي بلغ 10.5 مليون قنطار مع نسبة انتاج محلي لا تتجاوز 15 ونسبة توريد تبلغ 85.

اما القمح الصلب فحجم انتاجه السنوي 8.5 مليون قنطار بنسبة توريد تبلغ 20 . اما الزيوت النباتية فحجم استهلاكها 175 ألف طن موردة بنسبة 100 وقد تطوّر معدل تكلفة التوريد من 944 دينارا للطن في 2005 الى 1201 دينار في جويلية 2007 .

وقد جاء في ذات الوثيقة انه وعلاوة على ارتفاع الأسعار العالمية، شهدت تكاليف الانتاج الداخلية ارتفاعا يعود بالأساس الى آثار مراجعة أسعار الطاقة وبرنامج الزيادات السنوية في الأجور.

وقد نتج عن ارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الانتاج ان قفزت مستويات الدعم لسنة 2007 الى حدود 542م.د (على أساس التقديرات المحينة في موفى شهر جويلية وفق أسعار الشراءات المنجزة فعليا) اي ما يوازي 1.3 من الناتج الداخلي مقابل 321م.د سنة 2006 .

ويمثل مستوى الدعم الفردي الحالي للخبز الكبير والسميد ما يقارب 55 من أسعار بيع هذه المواد للعموم. فيما يمثل دعم الزيت صبة حوالي 80.

ومن المتوقع أن تتزايد نفقات الدعم لسنة 2008 باعتبار المؤشرات الحالية لتبلغ 780م.د وهو ما يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف الاعتمادات المخصصة سنويا لصندوق التعويض.

يمثل هذا الوضع مصدر انشغال عميق لتمويل تدخلات الصندوق العام للتعويض بالنظر لضغوطات المسلطة على ميزانية الدولة نتيجة تطوّر أسعار المحروقات التي بلغت في الايام الاخيرة 78 دولارا للبرميل وباعتبار الحاجة لمجابهة نفقات التنمية بالنظر للمشاريع المبرمجة في المخطط الحادي عشر.

وإزاء هذا الوضع وآفاقه غير الملائمة، من الضروري ان تكون مختلف الأطراف على دراية تامة بمضاعفات هذه التطوّرات على توازنات البلاد وقدرتها على مواصلة تخصيص الموارد اللازمة لتعزيز البنية الأساسية والمرافق الجماعية وأن تسعى لإنارة الرأي العام حول متطلبات الحدّ من الاختلالات المتوقعة والتي تستوجب ترشيد استهلاك المواد المدعومة والنهوض بالانتاج الوطني.

إضافة الى هذا كله، نعتقد انه آن الاوان ايضا للتفكيرفي صيغ تجعل الدعم ذاهبا الى مستحقيه حقا، إذ لا يمكن ان تتمتع به كل الشرائح من فقراء وأغنياء ومتوسطي حال، ومن مستعملي هذه المواد بطريقة كبيرة في مجالات التصنيع والتجارة، ومستعمليها للاستهلاك المنزلي بكميات لا معنى لها.

الخلاصة انه يجب الاقتراب من هذا الملفّ بالتفصيل الدقيق، وبما يراعي كلّ الحقائق.