دخل الفلسطينيون والإسرائيليون في مشاورات علنية وسرية بحثا عن سبل لبلورة إطار ما للتسوية، تمهيدا للمؤتمر الدولي الذي دعا إليه الرئيس جورج بوش وروجت له وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في جولتها بالمنطقة التي ستعود إليها الشهر المقبل أيضاً، بعد أن يكون الإسرائيليون والفلسطينيون قد تبادلوا الآراء حول الخطوة التالية، وبعد أن يكون مبعوثون أميركيون قد زاروا المنطقة لهذا الهدف.

حيث سيصل وفد أميركي خلال أسبوعين في هذا السياق. السلطة الفلسطينية وجدت نفسها متحللة من عبء حماس المحاصرة في غزة ولهذا فتحت الأبواب على مصاريعها بهدف جس نبض النوايا الإسرائيلية. حتى الآن لا جديد في الأفق سياسياً، كل ما هنالك أن الأميركيين أعادوا صياغة ما سبق وأن طرحوه سابقا لتمريره بطريقة سلسة. فقد كانت رايس تدعو في السابق إلى مؤتمر إقليمي يعقد في المنطقة بمشاركة إسرائيلية لبحث آفاق التسوية.. وكان هناك مطلب إسرائيلي محدد وهو إجراء اتصالات مباشرة مع دول عربية لا تقيم علاقات معها، مقابل القبول بمبادرة السلام العربية جزئيا كأساس للتسوية.

لكن كانت هناك معارضة عربية لهذا التوجه، حيث إن إسرائيل ستكسب الكثير دون أن تعطي شيئا.. وهو ما سبق لوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أن علق عليه بقوله «لا شيء يعطى مجانا»، في إشارة إلى محاولة إسرائيل الاتصال مباشرة بالمملكة السعودية. لكن الأميركيين أعادوا إخراج الفكرة بطريقة جديدة، أي اجتماع دولي في واشنطن يعقد في أواسط نوفمبر ويتعاطى مع المبادرة العربية وخارطة الطريق، لتنفيذ رؤية بوش حول الدولتين، أي دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش إلى جانب إسرائيل.

فما حدث عمليا هو إعادة إخراج الفكرة القديمة بطريقة جديدة لكن المضمون لم يتغير، فالإسرائيليون حتى الآن لا يريدون نبش ملفات قضايا الوضع النهائي كالقدس واللاجئين والحدود والمستوطنات، ويحاولون الالتفاف على ذلك بطرح ما يسمى إعلان مبادئ جديد أو إطار عمل.. وهذا لا يختلف كثيرا عن إعلان مبادئ اتفاقات أوسلو التي ماتت عملياً.. أي الإعلان عن مبادئ مشتركة للتوصل إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على أجزاء من الضفة، لكن غير محددة المعالم الجغرافية كالاعتراف بسيادة فلسطينية على القدس الشرقية دون تجسيد تلك السيادة، والاعتراف بسيادتها على الأرض دون رسم حدود هذه الأرض.. أي ترحيل هذه القضايا إلى ما بعد.. وهذا المابعد قد يكرس طويلا دون تحديد.

وحتى الآن يتولى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومستشاروه ملف الاتصالات مع إسرائيل، بينما تتولى حكومة سلام فياض الشؤون الأمنية والحياتية. فرئيس الوزراء الفلسطيني يعي تماما انه لا يستطيع الحصول على مصداقية دولية دون ترتيب الوضع الداخلي، أي بسط سلطة الأمن والقانون وفتح آفاق اقتصادية محلية وإعادة النظر في هيكلية الأمن حيث وجد أن هناك 85 ألف عنصر على كادر الأمن اغلبهم في غزة أي 61 ألفا.

وأثناء جولة رايس الأخيرة دعاها إلى مجلس الوزراء، حيث حضرت جانبا من الاجتماع الحكومي واستمعت إلى شروحات من الوزراء عن أعمالهم وسجلت ملاحظات واستخدمت ملاحظاتها في أحاديثها لاحقا.. فهو يريد إثبات أن حكومته تعمل فعليا على الأرض لكسب تأييد دولي لبرنامجها الاقتصادي وقبل هذا وذاك يريد من الإسرائيليين العودة إلى مواقعهم قبل الانتفاضة أي خارج المدن والقرى وهو ما بحثه مع أيهود باراك وزير الجيش الإسرائيلي. لكن فياض ما زال غير واثق من قدرة أجهزته الأمنية على بسط سلطة الأمن.. فهو يقول «إذا كنا حكومة طوارئ فمن حقنا نشر قواتنا على الأرض حتى تكون هناك حالة طوارئ حقيقية، لكن هذا غير ممكن بوجود قوات إسرائيلية تدخل وتخرج من المدن وتعتقل وتحاصر وتهدم».

والعقبة الأساس الآن هي المطلوبون للاحتلال، حيث وافق قرابة 200 مسلح اغلبهم من كتائب شهداء الأقصى على تسليم أسلحتهم، لكن آخرين ما زالوا ينتظرون وقف مطاردتهم، وبالتالي فان الهدف المنشود لحكومة فياض وهو نزع أي سلاح غير سلاح السلطة الفلسطينية ما زال بعيد المنال، وهذا يؤجل تحقيق هدف فرض الأمن وإعادة الإسرائيليين إلى خطوط ما قبل الانتفاضة. لكن هذا الأمر ليس مستعصيا أمام الحكومة الحالية ذلك أن ثمة رغبة شعبية في استتباب الأمن وتطبيق القانون.

فثمة من يحاول خلق نموذج يحتذى به في الضفة الغربية بعيداً عن ما يسمونه منغصات «حماس» وشعارات المقاومة، حيث إن فلسفة سلام فياض هي أن المقاومة وان كانت حقا مشروعا لشعب تحت الاحتلال إلا أنها إذا كانت أضرارها اكبر من فوائدها فيجب أن تتوقف. وكان فياض أثناء حكومة الوحدة مع حماس وفي إحدى الجلسات مع سعيد صيام والدكتور محمود الزهار، وكان الزهار يشدد على الحق في المقاومة سأله فياض «هل أنت دكتور» فرد الزهار بنعم فعاد وسأله «إذا وصفت دواء لمريض وتبين أن له آثاراً جانبية مضرة فماذا تفعل؟» فرد الزهار بسرعة اطلب منه وقف الدواء؟

فقال فياض «إذاً لماذا المقاومة الآن إذا كانت أضرارها المصاحبة اكبر» فضحك صيام. ملخص الحالة الفلسطينية الآن هو أن السلطة تفر إلى الأمام بهدف تحقيق انجاز سياسي، فيما تكتفي حركة حماس بالعودة إلى الماضي وتثبيت سلطتها في غزة بأقل قدر من المتاعب.. فهي عملياً تحولت إلى شرطي قمع في غزة، فيما ترعى السلطة الفلسطينية ووكالة الغوث ومنظمات الإغاثة الدولية السكان.

فالسلطة تدفع رواتب الموظفين والعسكريين وتدفع أجور الكهرباء والماء الواردة من إسرائيل ووكالة الغوث تسير المدارس والمستشفيات وتقدم المساعدات المادية والغذائية. فيما حركة حماس وجدت نفسها تجبي الرسوم والضرائب بالقوة وتحصل أجور الماء والكهرباء أيضا، ما يوفر لها دخلاً شهرياً يكفي للصرف على ميليشياتها وعناصرها والموظفين الذين عينتهم أو يتعاونون معها، ما يسهل لها الصمود في وجه الحصار المفروض على غزة لفترة طويلة ويتيح لها عرقلة أية تسوية مستقبلية. وضع غريب تعيشه الحالة الفلسطينية.. طرف يفر إلى الأمام وطرف يعود إلى الماضي.. هروباً من الواقع.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين