من يريد أن يصنع سلاماً، يتجنب العنف ويسعى إلى التهدئة ويغير من ممارساته العدوانية ويبادر بكشف نواياه الحسنة تجاه الطرف الآخر المتصارع معه. فهل إسرائيل التي تقيم الدنيا وتقعدها مدعية أنها راغبة في إحلال السلام وتحقيق تسوية سلمية مع الفلسطينيين تفعل ذلك؟
ما نراه ونسمعه عما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يؤكد أن الدولة العبرية لا تكشف سوى عن نوايا خبيثة وتمارس انتهاكات صارخة للمواثيق الإنسانية والقوانين الدولية. لا يخلو يوم تعيشه الأرض المحتلة دون عدوان على بلدة أو مدينة فلسطينية، أو حملة مداهمات واعتقالات، أو تصوب النيران الإسرائيلية على الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني، أو تواصل سياسة التعذيب داخل معتقلاتها، إلى درجة أنها تتفنن في إيذاء المعتقلين حتى ولو كانوا صغارا.
وعلى سبيل المثال، قامت سلطات السجون الإسرائيلية بمنع طفلين رضيعين، وهما أصغر أسيرين في العالم، من حقهما في الخروج إلى الفسحة في باحة السجن. فقد أصدر مسؤول سجن تلموند الإسرائيلي قرارا يقضي بحرمان الطفلين الرضيعين الأسيرين من الخروج من زنازين والدتيهما إلى الفسحة منذ أكثر من أربعة شهور، مما أدى إلى تدهور حالتهما الصحية.
وهما الطفلة غادة جاسر أبوعمر ذات العشرة شهور وهي ابنة الأسيرة خولة زيتاوي، والآخر الطفل براء صبيح البالغ من العمر أربعة عشر شهرا وهو ابن الأسيرة سمر صبيح. والرضيعان ممنوعان من الخروج من الزنازين منذ ثلاثة أشهر. هذا علاوة على عمليات التعذيب الأخرى التي يتعرض لها جميع الأسرى الفلسطينيين.
وإلى جانب حملات الاعتقال، والتي كان آخرها أمس اعتقال عدد من الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بعد مداهمة قرية «رأس طيرة» جنوب قلقيلية وتفتيش منازل العديد من سكانها، هناك أيضا الأبشع من العدوان المسلح وهو الحصار الخانق الذي يتعرض له العديد من المناطق الفلسطينية، وهذا وحده كفيل بأن يؤكد عدم مصداقية إسرائيل في دفع مسيرة السلام وإنعاشها.
ويكفي أن نشير إلى تحذير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أمس من تداعيات إنسانية خطيرة في قطاع غزة جراء استمرار الحصار الإسرائيلي. فقد أكد نائب المفوض العام للأونروا فيليبو جراندي أن حالة الحصار والإغلاق الإسرائيلي المفروضة على قطاع غزة، تنذر بتحوله إلى بؤرة منعزلة ومنغلقة تعتمد على المساعدات الإنسانية بشكل كامل. وكشف عن أن الحصار الإسرائيلي المستمر للمعابر والمنافذ الخارجية للقطاع، يتسبب في انهيار كامل في قطاع الصناعة والزراعة التي يعيش عليها سكان غزة، ما ينذر بتداعيات خطيرة، مطالبا بضرورة التدخل الدولي العاجل لوقف هذا الحصار.
من النماذج العدوانية الأخرى، جريمة تطهير عرقي ومخطط خطير لتعزيز الاستيطان في منطقة الغور الفلسطينية، والذي كشفه النائب العربي في الكنيست محمد بركة الذي أكد أن الغور يواجه حصارا وحشيا وعزلة تامة عن باقي مناطق الضفة الغربية، إضافة إلى ملاحقات للمزارعين هناك ومنعهم من مزاولة أعمالهم وفلاحة أراضيهم ورعي مواشيهم، وحرمانهم بالتالي من مصادر رزقهم.
ووصل الأمر إلى حد ترحيل أهالي قريتي الحديدية والحمصة من أراضيهم، وهى المرة الرابعة التي يواجه فيها أهالي هاتين القريتين جريمة الترحيل. كراهية إسرائيل للشعب الفلسطيني لا تفضحها فقط ممارسات العدوان والمداهمات والاعتقالات والحصار، بل امتدت إلى تلويث الأراضي الفلسطينية بنفايات الموت.
ففي تقرير رسمي صادر أمس عن الهيئة العامة للاستعلامات في السلطة الفلسطينية، تقوم إسرائيل منذ سنوات بدفن آلاف الأطنان من نفايات المدن والمستوطنات، بما فيها النفايات الصادرة عن المفاعلات النووية داخل أراضي الضفة الغربية المحتلة.
فأين السلام الذي تدعي إسرائيل رغبتها فيه؟ وهل هذه الممارسات العدوانية هي أغصان الزيتون في نظر إسرائيل؟ أم أن الواقع يؤكد أنها لا تحمل إلا الضغائن ولا تعمل إلا ما يسد الطريق أمام إقامة سلام حقيقي عادل وشامل؟!
