منذ وصول الخلاف بين حركة حماس ومؤسسة الرئاسة الفلسطينية إلى طريق مسدود وقيام حماس بالسيطرة على مؤسسات السلطة ومراكز الأجهزة الأمنية في غزة، لم تتوقف دعوات المسؤولين الفلسطينيين والعرب إلى الحوار وتحذيراتهم من مغبة تفاقم الوضع وتطوره إلى قيام ما يشبه الدولتين على أرض يفتقر الفلسطينيون السيادة عليها أصلا.
لكن هذه الدعوات ما زالت تراوح مكانها ولم يحدث على الأرض ما ينبئ بقرب إيجاد حل لهذه الأزمة. فالرئيس عباس لا يزال مصرا على اعتذار حماس وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل "الانقلاب" الذي قامت به في غزة، فيما تصر حماس على ضرورة الحوار الفلسطيني-الفلسطيني دون شروط مسبقة، وقدم إسماعيل هنية مؤخرا جدولا يتضمن عشر نقاط اعتبرها أساسا لنجاح الحوار.
أما مبادرة حركة الجهاد الإسلامي فلم تحتو على أفكار جديدة، وبقي الوضع الفلسطيني الداخلي أسير السياسات الإقليمية والدولية التي لا تسمح للفلسطينيين باتخاذ خطوات كفيلة بمعالجة مشاكلهم بالطريقة المثلى.
ورغم كل النوايا الطيبة التي قد يحملها هذا الطرف العربي أو ذاك تجاه القضية الفلسطينية، إلا أن الحراك السياسي والدبلوماسي العربي لا يزال عاجزا حتى الآن عن إيجاد أساس قوي لتسوية النزاع بين الأطراف الفلسطينية المتنازعة. حتى روسيا، والتي تتميز باتخاذها موقفا أكثر توازنا من باقي شركائها في الرباعية، اكتفت مؤخرا بتخفيض مستوى علاقاتها مع حماس.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو أن الواقع على الأرض لا يقدم مؤشرات تشجع على التفاؤل بقرب إيجاد حل. فما زالت التصريحات والممارسات في غزة ورام الله تؤكد حال القطيعة وترسخها، رغم محاولات كلا الطرفين التأكيد على رغبتهما بإنهاء الأزمة وعدم تكريس قيام كيانين منفصلين في غزة والضفة.
وربما كانت هذه الصورة القاتمة لما وصل إليه الصراع بين الإخوة وعجز المؤسسات والأطراف السياسية الموجودة على إيجاد حل له هي ما دفع بعض الجهات الفلسطينية للإعلان عن نيتها القيام بتشكيل لجان وتنظيمات فلسطينية جديدة، وكأن الساحة الفلسطينية بحاجة لانقسامات جديدة.
فهناك في الداخل الفلسطيني ما يزيد على اثني عشر فصيلا مستقلا، بالإضافة إلى فصائل فلسطينية أخرى في الخارج مثل الجبهة الشعبية-القيادة العامة وفتح الانتفاضة وغيرها التي لا تملك تمثيلا رسميا في الداخل الفلسطيني، أي إن هناك ما يزيد على عشرين فصيلا فلسطينيا أساسيا تنشط على الساحتين الداخلية والدولية.
ومع أن البعض قد يعتبر تشكيل مزيد من الحركات السياسية مؤشرا إيجابيا يدل على ثراء الحياة السياسية، وهي مقولة مثيرة للجدل في جميع الأحوال، إلا أن حل الأزمة المتفاقمة في الداخل الفلسطيني لا يمكن أن يكون في تشكيل فصائل جديدة تزيد من حدة الانقسام الذي ساهمت في قيامه الفصائل الفلسطينية الموجودة، والتي يتشابه البرنامج الفكري والسياسي والتنظيمي لكثير منها لدرجة ربما تجعل المنطق يفرض اندماجها لتقليل الشرذمة السياسية وتقليص حدة التناقضات في مجتمع لم يعد يتحمل كل هذا الضغط والتنوع الحزبي غير المبرر.
إن كثرة الفصائل والحركات السياسية الناشطة على الساحة الفلسطينية حاليا ربما تكون أحد مظاهر الأزمة، ولن يؤدي تشكيل تنظيمات جديدة إلا إلى تفاقم الصراع بدلا من حله. وربما كان على العقلاء في الساحة الفلسطينية أن يمتنعوا عن استثمار حالة الغضب التي تسود الشارع الفلسطيني واستغلال الفوضى لتشكيل حركات قد لا يؤدي وجودها إلا إلى تفاقم الأوضاع، والبحث عن سبل كفيلة بتوحيد الفصائل الموجودة حتى لا يزيد الانقسام الفلسطيني حدة.
