إن هيمنة المستبد على الشعب لا يمكن أن تتم أو تدوم دون نشر ثقافة الخوف في المجتمع وزرع الخوف في قلوب العامة من الناس. وهذا تكتيك لجأ إليه كل المستبدين من الحكام في العصور القديمة والحديثة على السواء، كما لجأت إليه كل المؤسسات المنبثقة عن الإيديولوجيات الشمولية. فالدين مثلا اتجه في بداياته إلى نشر ثقافة الخوف بين الناس، مما تسبب في تسلط رجال الدين وهيمنتهم على المجتمع عامة ومجتمع المتدينين خاصة.

وتشير حقائق التاريخ إلى أن الفترات التي شهدت تراجع هيبة المؤسسة الدينية ورجالها وتناقص أعداد التابعين لها، شهدت أيضا تزايد نشاطات رجال الدين ولجوءهم مجددا لنشر ثقافة الخوف بين الناس. وكما لجأت المؤسسة الدينية لنشر ثقافة الخوف واستخدامها أداة للسيطرة على المجتمع، لجأت القومية كإيديولوجية اجتماعية - سياسية لنشر ثقافة الخوف من الدولة وأجهزة القمع التابعة لها، واستخدامها وسيلة لسيطرة الجيش والقوى التقليدية من حماة الثقافة الوطنية على المجتمع.

أما الشيوعية كإيديولوجية اجتماعية - اقتصادية شمولية فقد قامت بنشر ثقافة الخوف المؤسسة على حتمية الصراع الطبقي وأحقية طبقة واحدة في ملكية وسائل الإنتاج، مما تسبب في سيادة شعور عام بالخوف وعدم الإحساس بالأمن، ومهد الطريق لسيطرة الدولة على كافة أوجه الحياة في المجتمع. وحين أعلن الرئيس بوش «الحرب على الإرهاب» في أعقاب هجمات سبتمبر من العام 2001 على مدينتي نيويورك وواشنطن، كان ذلك بمثابة إعلان حرب على شيء لا وجود له، وذلك لأن الإرهاب ليس دولة ولا جيشا ولا شعبا يمكن تحديد هويته وإعلان الحرب عليه.

وهذا جعل «الحرب على الإرهاب» مقولة بلا معنى، كانت ولاتزال عاجزة عن تحديد مكان جغرافي أو عدو محدد يمكن استهدافه ومهاجمته، وجعلت الإرهاب شبحا لا يمكن التعرف على حقيقته وإعداد العدة لمواجهته. وحيث أن الشبح هو شيء مخيف بطبيعته، وأن مصدر الخوف الأساسي من الشبح يكمن في عدم قدرة الإنسان على رؤيته والتعرف على قدراته، فإن شبح الإرهاب أصبح مصدرا للخوف والرعب داخل المجتمع الأميركي.

ولقد قامت إدارة بوش بتكريس ثقافة الخوف في النفوس من خلال تكرار الإنذارات بخطر عمليات إرهابية جديدة، ورفع مستوى الاحتياطات الأمنية. ومما ساهم في نشر تلك الثقافة وتكريسها في المجتمع الأميركي قيام صناعة الأفلام والترفيه بإنتاج برامج تحبذ العنف وتمجده، وقيام صناعة الأسلحة بالترويج لمنتجاتها وتشجيع الدولة على شراء المزيد منها، وقيام تجار الحرب بنشاطات مساعدة في العمليات العسكرية.

وفي الواقع، كانت سياسة الخوف والتخويف وتحالف المؤسسة العسكرية مع مؤسسة صناعة الأسلحة الأميركية وتجار الحرب وجيوش المرتزقة، سببا في رفع ميزانية وزارة الدفاع الأميركية إلى حوالي 550 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل ميزانيات الدفاع لكل دول العالم مجتمعة. وهذا بدوره جعل التشجيع على الحرب بالنسبة لتلك الصناعات أمرا مشروعا، يشبه قيام صناعة السيارات مثلا بتشجيع الدولة على فتح طرق جديدة وخفض الضرائب على السيارات... إنها نشاطات مصلحية تستهدف تنمية الأسواق القديمة وخلق أسواق جديدة لمنتجاتها، ولكن على حساب دم وأموال ومستقبل الوطن وأبنائه.

ومع تتابع حملات التخويف هذه، والتي جاءت كجزء من عملية سياسية محمومة استهدفت منح شرعية للحرب على العراق، وتضييق الخناق على الحريات العامة، وإضعاف قدرة المعارضة السياسية على توجيه النقد لسياسات بوش وتصرفات إدارته، أصبح بإمكان الرئيس وأعوانه من المحافظين الجدد الانفراد في اتخاذ قرارات مصيرية دون نقاش عام، ودون تحليل وتقييم من قبل الإعلام، ودون مساءلة من الكونجرس.

وكما تشير الدراسات النفسية وحقائق الواقع، يلعب الخوف دوراً أساسيا في تعطيل العقل، ويساعد على تحريك العواطف، ويجعل من السهل على القوى الغوغائية السيطرة على الجماهير وقيادتها. وحيث أن لكل سياسة تبعات، فإن سياسة التخويف تسببت في تعطيل عقول الكثير من الأميركيين وغيرهم، وفرضت عليهم تحمل تكاليف نفسية واقتصادية ومالية باهظة للغاية.

يقول الدكتور بريجنسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر، إن سياسة التخويف كانت لها آثار سلبية كبيرة على الديمقراطية وعلى الحالة النفسية للأميركيين وعلى مكانة أميركا على الساحة الدولية، مما أدى إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

ويضيف بريجنسكي: إن الآثار السلبية لسياسة التخويف تفوق من حيث الحجم والعمق ما حلم به الإرهابيون حين خططوا للقيام بعملياتهم الإجرامية. إن أميركا التي قادت الحرب الباردة بأعصاب باردة وثقة كبيرة بالنفس، فقدت بسبب ثقافة الخوف والتخويف ثقتها بنفسها، وهذا يجعلها عرضة للدخول في أزمة في حالة تعرضها لعملية إرهابية أخرى.

تتسبب ثقافة الخوف عادة في خلق شعور عارم لدى العامة من الناس بالضعف أمام الغيبيات والدولة والحزب الحاكم والطبقة المهيمنة، مما يحول الشعب إلى قطيع من الأغنام أو الإبل، يقاد بسهولة ويغيب العقل عن تصرفاته.

إن ثقافة الخوف لا تبني أمة صالحة، ولا مجتمعا سويا ينعم بالاستقرار والأمن، ولا تؤسس لنظام حكم عقلاني لديه ما يكفي من المؤهلات والقيم لكسب ثقة الشعب وقيادته نحو تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة. لقد كان الخوف ولا يزال سببا في تدمير ثقة الشعب بنفسه بوجه عام، وثقته بقياداته بوجه خاص، كما كان العامل الأهم في دفع أصحاب الرأي إلى الهروب من الوطن أو الانزواء عن الأنظار، وحرمان الشعب والوطن بالتالي من فرصة الاستفادة من قدراتهم الفكرية ومبادراتهم العلمية.

وفي ظل سيادة الخوف وقيام شرعية النظام على تخويف الناس من المجهول، تغدو أداة لتزييف وعيهم واستغلالهم في مغامرات عسكرية وغير عسكرية لا تخدم الصالح العام. ويمكن تشبيه ثقافة الخوف بالجنية التي تكون محبوسة في قنينة أو في قمقم، إذ حين تخرج الجنية من قمقمها تصبح طليقة لا يستطيع أحد أن يتحكم فيها أو يعيدها إلى القمقم، مما يمنحها حرية التصرف وإلحاق الضرر بكل ما يحيط بها من بشر وما يقف في طريقها من أنظمة وأشياء.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com