قبل أيام قليلة، وفي حدث مدروس بدقة من حيث التوقيت والأهداف، أطلقت غواصة نووية روسية صاروخاً تجريبياً عابراً للقارات من نوع جديد في عمق المياه الدولية في المحيط الهادئ، بعد سنوات طوال من الركود العسكري الروسي خارج حدود روسيا ومياهها الإقليمية، الأمر الذي أثار اهتمام المتابعين للشؤون الدولية، وقضايا العلاقات بين الشرق والغرب على وجه التحديد. فأعاد البعض تأكيد وجهة نظره بالانبعاث الجديد للحرب الباردة بعد أكثر من عقد ونصف من انتهائها، ومن انتهاء ما كانت تسميه واشنطن «سياسة الاحتواء»، التي كانت تعتبر من الوجهة الأميركية «استراتيجية سياسية وعسكرية في آن واحد»، لردع الإمبراطورية السوفييتية قبل انهيارها.

فالتجربة الصاروخية الروسية في أقاصي المياه الدولية تستحق التوقف والتأمل، وتستحق البناء عليها، بعد أن طفت التباينات الروسية الأميركية على سطح الأحداث واتخذت أكثر من منحى، وفي وقت لم يعد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادراً على تجاهل التحديات التي تواجه سياسته الخارجية مع سياسة الابتلاع الكونية التي تمارسها واشنطن، ومحاولاتها الدؤوبة تطويق السياسة الخارجية الروسية خصوصاً في المجال الحيوي الأوروبي وفي الشرق الأوسط. فالتحديات اليوم مختلفة كل الاختلاف عن التحديات التي واجهت الخريطة الدولية المتقلبة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أو حتى التي واجهت العالم بعد انهيار المنظومة الشرقية السابقة وحلف وارسو عام 1990.

وفي الواقع العملي فان اتساع الخلافات بين الجانبين الأميركي والروسي ليس وليد اللحظة، بل ويعود لسنوات خلت بشأن العديد من القضايا الحيوية، التي يقف على رأسها في المقام الأول مسألة اتساع الخلافات بشأن نية الولايات المتحدة نشر المزيد من قواتها في القارة الأوروبية، ونشر ما يسمى بالدرع الصاروخية، فضلاً عن الإشراك الأميركي المتزايد لدول حلف وارسو السابق في تشكيلات الناتو. فواشنطن ما زالت تحتفظ حتى اللحظة بتواجد عسكري كثيف في عديد من الدول الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، وتعمل الآن على نشر منظومات جديدة من الترسانة العسكرية فائقة التطور على حدود روسيا الأوروبية، فضلاً عن أساطيلها التي تجوب مياه المعمورة في كل الاتجاهات.

وعليه فان روسيا الآن تتجه نحو تنشيط وجودها العسكري وتعزيز أساطيلها البحرية في مختلف مناطق العالم الساخنة، خصوصاً في البحر المتوسط حيث قطعات أسطول البحر الأسود الروسي التي تنتقل باستمرار ما بين مقرها في ميناء سيفاستبول على البحر الأسود عبر بحر ايجة ومضيق البوسفور نحو البحر الأبيض المتوسط، وهو الأسطول الأهم بالنسبة لروسيا في ظل التغيرات الجيوسياسية الحاصلة في العالم في نطاق عمليات هذا الأسطول التي تمتد من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى المحيط الأطلسي، ومعه أسطولا الشمال والبلطيق الروسيان. فأسطول البحر الأسود منذ الحقبة السوفييتية يعتبر رأس حربة روسيا في المنطقة الجنوبية الغربية التي تحظى بأهمية استراتيجية بالنسبة لها، ودائرة العمليات هذه تحد دولاً من آسيا وإفريقيا وأوروبا، وفي هذه المناطق تتشكل علاقات جديدة متناقضة كل يوم.

ويبرز في المقام الثاني في الخلافات الروسية الأميركية، التباين بشأن النشاطات الروسية في مناطق المحيط المتجمد الشمالي، فموسكو توسع نشاطاتها التنقيبية عن النفط في المناطق المذكورة، وتعتبر نفسها صاحبة الحق في الهيمنة على الجزء الأكبر من مساحاته بحكم الواقع الجغرافي، الأمر الذي تعارضه واشنطن بشدة لاعتبارات جيواستراتيجية، وتشاركها في الموقف نفسه كل من النرويج والسويد وفنلندا حيث تصر واشنطن على نفي الادعاءات الروسية وتؤكد بأن «ليس لروسيا أي حقوق خاصة تحت البحر في المنطقة القطبية الشمالية»، بينما لا تكترث موسكو وتواصل الغواصتان الروسيتان الصغيرتان «مير1» و«مير2» الغوص في عمق يزيد عن أربعة آلاف متر في المحيط المتجمد الشمالي.

ويبرز في المقام الثالث من التباينات، محاولات واشنطن التأثير على الصادرات الروسية من الغاز المسال لأوروبا، حيث تعتبر روسيا المزود الرئيسي لأوروبا بالغاز، بينما تعمل موسكو لإبقاء القارة الأوروبية تحت رحمة الغاز الروسي، وزيادة إرساليات الغاز السيبيري نحو أوروبا الغربية بعد أن باتت أوروبا الشرقية المستورد الرئيسي له. ويأتي ما يقرب من ربع استهلاك الغاز الأوروبي من روسيا، خصوصاً بالنسبة لدول أوروبا الشرقية وهي الدول ذات العضوية الجديدة في الاتحاد الأوروبي والناتو كجمهورية التشيك، هنغاريا، بولندا... وفي حقيقة الأمر فان روسيا تسعى لزيادة مبيعاتها من الغاز لسائر دول أوروبا، لتجعل من غازها السيبيري المصدر الرئيسي لدول أوروبا الغربية على المديات القريبة والبعيدة، مقابل الطموح الأميركي لتنويع مصادر الغاز المتدفق نحو القارة الأوروبية.

كما جاء التأييد الأوروبي لمشروع نابوكو، الذي يفترض أن ينقل الغاز من إيران ومن تركمانستان «التي ستنقل غازها إلى إيران في أنبوب قائم» مروراً بتركيا، ومن هناك مروراً ببلغاريا إلى النمسا وأوروبا، ليسهم في إزعاج الإدارة الأميركية التي لا تتفق مع إيران فضلاً عن روسيا بشأن الأحداث في العالم وبخاصة في الشرق الأوسط، وتفضل أن تكون أوروبا أقل تعلقا بروسيا.

فأنبوب الغاز إلى أوروبا الذي سيعتمد على مصادر في إيران، يعتبر بديلا مزعجا لأميركا، وهو آخر شيء كانت تريد واشنطن أن تراه، فمشروع كهذا يجعل إيران لسان الميزان في المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا، وبالتالي فان واشنطن في حيرة من أمرها بين غاز روسي لأوروبا وبين غاز إيراني ينعش اقتصاد طهران. وما ضاعف من الاستياء الأميركي التوقيع الأخير لاتفاق إقامة خزان غاز ضخم في هنغاريا لنقل الغاز الروسي إلى ايطاليا ومنها إلى سائر أوروبا، فكانت تلك طلقة البدء لمسابقة الغاز الكبرى، التي سيحظى الفائز فيها بالسوق كلها، أي مشروع نابوكو الذي يفترض أن يبدأ في 2009 وينتهي في 2012.

ويبرز في المقام الرابع من التباين الروسي الأميركي، الاستياء الروسي من سياسة العبث الخارجي بأوضاعها الداخلية في مناطق جمهوريات الحكم الذاتي في منطقة القفقاس، والزنار المحيط بها عند تخوم جمهوريات آسيا السوفييتية السابقة «أذربيجان، قرغيزيا، تركمانستان، أوزبكستان، طاجيكستان»، حيث تتواتر المعلومات عن أشكال من التواجد العسكري الأميركي، والتواجد الاستخباراتي بشكل رئيسي، الأمر الذي تنظر إليه موسكو باعتباره يشكل مساساً بأمنها القومي.

بناء عليه، فان موسكو تنطلق الآن في حساباتها السياسية، في محاولات حثيثة للحفاظ على مصالحها وفضائها الحيوي في العالم، ولإعادة حضورها في المنطقة، وإعادة إحياء تحالفاتها التقليدية بعد أن باتت قادرة على الانطلاق مجدداً، تبحث عن دورها الضائع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

وموسكو التي وجدت نفسها مهمشة على امتداد الفترة الطويلة الماضية، تحث الخطى بجرعات التفاؤل لإعادة المجد الضائع، فهي وريثة الإمبراطورية السوفييتية ومن قبلها القيصرية، ومن هنا تعمل للولوج إلى دائرة الفعل بعد سنوات من الإقصاء والعزل الذي مورس بحقها من قبل الإدارة الأميركية. تقرع الأبواب بدقات قوية، تذكر العالم بأنها ما زالت قادرة على فرملة اندفاعات السياسة الأميركية، وبأنها ما زالت تتمايز بحدود معقولة عن الموقف الابتلاعي لواشنطن، والانتقال من صفوف المتفرجين على الحدث إلى صف العاملين والمقررين بالشأن الدولي والقضايا الكبرى الساخنة في العالم، بعد سنوات من التهميش والتجاهل الأميركي.

وعلى الأرجح، لن تقف حدود التباين الروسي الأميركي عند القضايا التي سبق التطرق لها، فالخلافات الآن تجري تحت الرماد المشتعل، وروسيا اليوم باتت على قناعة كاملة بأن حضورها الدولي الفاعل يتطلب منها وقف عزلتها الدولية أو محاولات عزلها، وإعادة صياغة علاقاتها مع المنظومات القائمة في العالم.

كاتب فلسطيني ـ دمشق