نمر بوقت عصيب في حر أغسطس اللافح. وسينطلق أعضاء الكونغرس الأميركي والبرلمان العراقي مبكرين إلى أجواء أكثر برودة، وسيتوجه الرئيس الأميركي جورج بوش بالتأكيد إلى كراوفورد لينفس عما في داخله من إحباط هناك.
وفي غضون ذلك، في العراق، فإن القوات العسكرية الأميركية البالغ قوامها 160ألف رجل، والذين يقومون يومياً بدوريات في أكثر الشوارع والطرقات في العالم ستستمر في القتال والموت والنزف تحت الشمس الحارقة، حيث تصل درجات الحرارة إلى أرقام فلكية، وتزداد وطأة أربعين كيلوغراماً هي السترة الواقية من الرصاص وخوذة كيفلار إضافة إلى السلاح والذخيرة مع كل خطوة يخطوها جندي المشاة. وسينطلق الساسة في واشنطن وبغداد إلى إجازاتهم الصيفية، سعداء بتأجيل أي فكرة أخرى عن العراق حتى سبتمبر المقبل على الأقل، عندما يقدم القائد الأميركي الجنرال ديفيد بترايوس، تقريره حول التقدم الذي أحرزته زيادة القوات الأميركية إلى الكونغرس، وكأن ذلك قد يغير شيئاً من مدة استمرار هذا العذاب.
هل لاحظ أحد أن كل شخص بالفعل من اللاعبين، السياسيين والعسكريين، قد بدأ في التملص مما يتعين القيام به في سبتمبر؟ وأنهم، وياللصدمة والفزع، يشرعون في التحدث عن الحاجة الماسة لبقاء القوات الأميركية في العراق عند المستوى الحالي المقدر بـ 160 ألفاً، أو ربما أكثر من ذلك إلى عام 2009. ويبدو أن الديمقراطيين في الكونغرس، الذين يلوح أن معظمهم يرشح نفسه للرئاسة، راضون بانتظار تطورات أخرى. والجمهوريون، وخاصة أولئك الذين يحتمل أن يخوضوا انتخابات التجديد عام 2008، يستهلكون بدلهم التي يبلغ ثمن الواحدة منها 4000 دولار في غمار الدعاء لحدوث معجزة لتنحية العراق بعيداً، مع مجموعة منوعة أخرى من كوارث الإدارة، عن أذهان الناخبين. وقد عاد الرئيس إلى التحدث عن حلمه المستحيل بتحقيق «النصر» في حرب لا يمكن الفوز فيها بالأدوات التي يستخدمها في الموضع الذي يستخدمها فيها.
يمضي العراقيون وقتهم ويتابعون حلمهم، كعهدهم، الأحلام السعيدة بانتقام دموي وذبح طائفي، ويضحكون من قائمة المهام التي تضم أهدافاً أميركية مستحيلة التحقيق. ونتحدث عن أهداف العراق «الوطنية»، بينما يتحدث العراقيون عن أهداف قديمة قبلية طائفية مظلمة.ويتدفق الانتحاريون الأجانب لأخذ أدوارهم أمام مقود سيارة تقل متفجرات بلاستيكية، قذائف مدفعية عتيقة وقطع حديد لقتل الأبرياء الذين يمضون إلى السوق أو إلى محطة الحافلات أو حتى إلى المدرسة.
والميليشيات التي قويناها بمنح نِعم الديمقراطية لمجتمع إقطاعي، تمضي في قتل واختطاف جيرانها، إضافةً إلى ذلك يقصفون يومياً بقذائف الهاون المنطقة الخضراء الأميركية في بغداد. وبين الجميع، وكهدف للكل، تمضي القوات الأميركية بمحاولة يائسة لتهدئة عمليات الذبح ومنح السلام فرصة في مكان ينعدم فيه وجود مثل هذه الفرصة. ويوماً بعد آخر، يرتفع عدد القتلى والجرحى كارتفاع درجات الحرارة في أغسطس ولماذا يا ترى؟
ليس هناك ما يكفي من الجنود الأميركيين في قواعدهم بالوطن، وهم يستريحون ويستعدون مرة أخرى ويتدربون مجدداً بعد جولات قتالهم الثانية أو الثالثة، لإحلالهم محل هؤلاء الذين يرابطون الآن في العراق وأفغانستان لدى قدوم الربيع المقبل. لا داعي للقلق. حيث بوسعنا تمديد جولات قتالهم التي تستغرق 15 شهراً إلى 18 شهراً في الجحيم أو ربما 24 شهراً. فهم في نهاية المطاف متطوعون. إنهم النصف في المئة الذين يخدمون ويضحون، بينما تلتزم بقيتنا بأوامر الرئيس وتذهب إلى التبضع أو تستلقي على الشواطئ الرائعة في أغسطس.
إنها دماؤهم التي تلطخ أيدي الساسة الذين يقضون عطلتهم، في حين أنه يتعين عليهم العمل على وقف هذه الحرب المجنونة، وإعادة هؤلاء الجنود الأميركيين من العراق وإعادة توجيه طاقاتهم تجاه أفغانستان وباكستان المجاورة حيث يوجد العدو الحقيقي، و«القاعدة» الحقيقية. «المهمة أُنجزت»، اللافتة التي تحمل هاتين الكلمتين تدلت عبر حاملة طائرات مزدحمة. وقد تنبأ أحدهم بأنها «مهمة سهلة». أتمنى لكم عطلة سعيدة أيها الساسة، وبالمناسبة، اخفوا أياديكم الملطخة بالدماء. فأنتم لن تودوا إخافة الأطفال الذين يلهون على الشاطئ.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»