استطاع الاقتصاد الروسي، وعبر السياسة الاقتصادية المعلن عنها، تجاوز حالة الجمود التي سيطرت عليه طيلة سنوات التسعينات، ليُسجل أرقام نمو مذهلة، لا تزال مستمرة منذ أكثر من عقد ونصف العقد، ولدرجة جعلت بعض الاقتصاديين يتوقعون أن تتصدر روسيا واجهة الاقتصاد الأوروبي في المستقبل القريب.
تُعد التجربة الروسية تجربة غير مسبوقة في التاريخ الاقتصادي للدول التي انهارت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، فلم تستطع دول أخرى التحول بهذا الشكل الهائل إلى اقتصاد السوق بهذه القوة والحيوية. لقد عانى الاقتصاد الروسي من الضعف والجمود على مدى عقود نتيجة العزلة والتخطيط المركزي، في الوقت الذي كانت فيه اقتصادات الدول الأوروبية في ذروة ازدهارها، بيد أن النهج الذي اختطه بوتين مهندس الإصلاح والانفتاح، والذي قام على إنعاش اقتصاد روسيا بجرعات محدودة من الرأسمالية، أسهم في رفع النمو الاقتصادي لروسيا، إلى درجة لم يكن أحد يتوقعها، حتى أكثر المتفائلين. فقد تدفقت الاستثمارات من مختلف دول العالم ونمت الصادرات، الأمر الذي أسهم في تعزيز النمو السنوي بشكل متزايد.
وتنفرد روسيا بحجمها ونظامها الذي يجمع ما بين القطاع العام والتخطيط المركزي ونظام السوق. ويرى الخبراء الاقتصاديون أن البناء النظري لنمو الاقتصاد الروسي مر، ويمر، بثلاث مراحل: الأولى، وفيها قاد النمو تجارة روسيا مع الخارج، وتفوق معدلات نمو التجارة الخارجية معدلات النمو الاقتصادي، وهي الحقبة التي مرت فيها الصين منذ التسعينات من القرن الماضي.. ففي تلك المرحلة ارتفعت تجارة روسيا الخارجية. في المرحلة الثانية، تعادلت معدلات النمو الاقتصادي مع معدلات نمو التجارة الخارجية، وهي المرحلة التي دخلتها روسيا في التسعينات من القرن الفائت.
أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة النضج، والتي يبدأ فيها الطلب المحلي على السلع والخدمات بتحريك النمو الاقتصادي، وفيها تتفوق معدلات النمو على معدلات نمو التجارة الخارجية، وبلوغ تلك المرحلة يعني بلوغ روسيا مرحلة القوة الاقتصادية العظمى.. إلا أن الأرقام تُشير إلى أنها لا تزال بعيدة جداً، فالاقتصاد الروسي رغم معدل نموه الملفت، لا يزال صغير الحجم نسبياً.
ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن روسيا تندفع بمسيرة التنمية التي مضت فيها أوروبا ولكن بقوة وسرعة أكبر، إلا أن أنموذج التنمية الروسية تسمح فيه الحكومة الروسية للشركات الوطنية بالاستثمار في الخارج، وسبق لها أن خففت من القيود المالية فيما يتعلق بتداول العملات الصعبة، وذلك في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الاستثمار داخل روسيا وخارجها، وساهمت السياسة الاقتصادية الروسية في تطوير حجم التجارة الخارجية التي سجلت نمواً ملحوظاً في الفترة الأخيرة،
وقد أظهرت آخر الدراسات أن إجمالي حجم التجارة الخارجية الروسية في الأعوام السابقة واصل زخم نموه السريع، الذي ظهر في العام الماضي، وحقق تبادلها التجاري مع الشركاء التجاريين الرئيسيين نمواً سريعاً شاملاً ولا شك أن روسيا استفادت في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية من عامل انخفاض الأجور، وهذا ما أدى إلى تفضيل الشركات الكبرى لتصنيع منتجاتها في روسيا.
إن العدد الكبير لسكان روسيا، والذي يبلغ حوالي 144 مليون نسمة، يجعل منها سوقاً ضخماً، وهذا ما يُعتبر عاملاً إضافياً ومهماً في تشجيع وجذب الاستثمارات الأجنبية إليها. وثمة أمر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن التنمية الاقتصادية في روسيا فرصة مهمة لتنمية المنطقة بكاملها، ويتوقع العديد من الخبراء أن ينجح الاقتصاد الروسي في النمو المستمر بوتائر السنوات القليلة الماضية نفسها، لتعود وتصبح روسيا قطباً جديداً في نمو الاقتصاد العالمي.