جاء كتاب إيلان بابي، المؤرخ اليهودي الإسرائيلي، والمعنون التطهير العرقي للفلسطينيين، ليكشف أشياء كثيرة على درجة كبيرة من الأهمية. أولاً أن مااقترفته اسرائيل في حق الفلسطينيين منذ بداية زرعها في المنطقة وحتى الآن، هو جرائم تطهير عرقي منظم ومقصود يماثل تماماً ما اقترفه الصرب ضد المسلمين في يوغسلافيا السابقة.
وثانياً إن أي حديث سخيف ومفتعل عن السلام هو حديث غير مجد، طالما أن إسرائيل لن تعترف بما اقترفته ضد الفلسطينيين منذ زرعها في المنطقة وحتى الآن. وثالثاً أنه طالما أننا نعلم تمام العلم من خلال تاريخ إسرائيل الدموي في المنطقة، استحالة اعترافها بجرائم التطهير العرقي التي مارستها ضد الفلسطينيين، فإنه من الأجدى بالنسبة للفلسطينيين من ناحية وللعرب من ناحية أخرى أن يبحثوا عن طرق أخرى للتعامل مع إسرائيل، ليس من بينها حديث السلام الممجوج.
يأتي كتاب بابي ليكشف تلك الحقائق الواضحة والجلية والتي مازال البعض يحاول أن يداريها أو ينحيها جانباً، إما من موقع العمالة أو من موقع الضعف والتهاوي. وتنبع أهمية الكتاب الأساسية من كونه جاء معتمداً على الوثائق الإسرائيلية التي تم الإفراج عنها حديثاً. فالكتاب يعتمد على تلك الوثائق التاريخية الإسرائيلية المتمثلة في الاجتماعات الرسمية لمجلس الوزراء الإسرائيلي في بداية نشأة الدولة العبرية.
إضافة إلى المذكرات الخاصة بكبار مؤسسي الدولة مثل ديفيد بن جوريون. من هنا فالكتاب لم يعتمد سوى على الوثائق الرسمية الإسرائيلية المفرج عنها التي أكدت على عمليات التطهير العرقي المنظم ضد الفلسطينيين. كما أن الكتاب قد اعتمد أيضاً على التاريخ الشفوي لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين الذين شهدوا عمليات التطهير العرقي التي قامت بها عصابات القتل والتدمير الإسرائيلية مع نشأة الدولة العبرية وزرعها في المنطقة.
والكتاب، رغم تأسيسه على الوثائق الإسرائيلية المفرج عنها حديثاً، إلا أنه يكذب الروايات الإسرائيلية الرسمية الشائعة حول تأسيس الدولة العبرية، والتي تنفي حدوث أية جرائم ضد الفلسطينيين، كما تدعي أن رحيل الفلسطينيين كان إرادياً وطوعيا ولم يقم بناء على أية ممارسات أو انتهاكات إسرائيلية ضد المدنيين العزل.
إن واحدة من أهم النتائج التي يصل إليها الكتاب هي تأكيده على أن عمليات القتل والتطهير العرقي التي قامت بها القوات الإسرائيلية في مرحلة تأسيس الدولة العبرية، كانت تتم بشكل ممنهج ومنظم ومتلاحق. فالقوات الإسرائيلية كانت تقتحم القرى الفلسطينية وتقترف جرائمها وتمحو أية آثار قبل أن تنتقل لقرية أخرى وهكذا دواليك، الأمر الذي أدى لقتل وترحيل وتشريد آلاف الفلسطينيين في بدايات نشأة الدولة العبرية. لذلك يبدو كتاب بابي كلوحة تذكيرية مأساوية بما حاق بالفلسطينيين من كوارث وجرائم وتطهير عرقي.
ينبني الكتاب على حقيقة أساسية تقلب التاريخ الإسرائيلي المزيف رأساً على عقب. فبينما ينبني التاريخ الإسرائيلي المزيف على عدوانية العرب ورغبتهم في إبادة إسرائيل والتخلص منها نهائيا، تنبني حقائق كتاب بابي على الدور الإسرائيلي في ترحيل ما يقارب نصف سكان القرى الفلسطينية، إضافة إلى تدمير ما يقارب نصف هذه القرى، وهو ما لم تنجح الدول العربية المفككة آنذاك في الحد منه.
لقد كانت القوى العربية تحاول في ذلك الوقت إيقاف هذا التطهير العرقي والترحيل المتواصل للفلسطينيين من قراهم، والحد من التدمير الممنهج لتلك القرى ذاتها. وهو الأمر الذي كذب المؤرخون الإسرائيليون بشأنه طوال ما يقرب من نصف قرن من الزمان، كما كذبت مؤسساتهم البحثية والسياسية والاستراتيجية بخصوصه، وهو أيضاً ما فضحه بابي وغيره من المؤرخين الإسرائيليين الجدد أصحاب الضمائر العلمية والإنسانية اليقظة.
لقد نجحت سياسات التطهير العرقي الصهيونية في ترحيل ما يقرب من 80% من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم. وبسبب من الصمت الدولي في ذلك الوقت، قامت إسرائيل بتطهير النسبة الباقية في أعقاب حرب عام 1967.
والأخطر من ذلك أن سياسات التطهير العرقي قد أصبحت ركناً ركيناً من أركان السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، بحيث أنها تعنى دائماً وأبداً بالعمل الاستراتيجي المتواصل من أجل القضاء على الفلسطينيين والقضاء على معالم دولتهم وقراهم ومدنهم. وعلينا أن نلفت النظر هنا إلى قيام إسرائيل بتغيير أسماء القرى والمدن الفلسطينية، واستبدالها بأسماء من صنع المستعمر الغاشم الصهيوني من أجل العمل على التطهير العرقي للبشر والمكان والزمان.
تنبع أهمية الكتاب من كونه يلفت النظر بشكلٍ واضح لا لبس فيه، وطبقاً للتعريفات الدولية التي تتبناها الأمم المتحدة لمفهوم التطهير العرقي، بأن ما قامت به إسرائيل ضد الفلسطينيين وما تقوم به حتى الآن هو تطهير عرقي متواصل يستحق التجريم والعقاب الدوليين، مثلما هو الحال مع صربيا أو غيرها من الدول التي اقترفت جرائم التطهير العرقي. وكون الكاتب إسرائيليا، ويهوديا في الوقت نفسه، يمنح هذا الاتهام مصداقية عالية.
الأمر الذي أكسبه الكراهية الشديدة هو وأمثاله من المؤرخين الإسرائيليين الجدد من أصحاب الضمائر الحية، من المتطرفين اليمينيين الصهيونيين. إضافة إلى ذلك فإن كتاب بابي من الكتب الإسرائيلية النادرة التي تمنح الصوت الفلسطيني حقه من الاعتبار والتقدير. فغالباً ما يهيمن صوت الراوي الظالم الإسرائيلي، صوت الإجرام والتطرف وتزييف حقائق التاريخ، أما هنا، ومع بابي، فإننا نجد حيزاً كبيراً لصوت الرواة الفلسطينيين الذين عايشوا حالات التطهير العرقي الإسرائيلي، وذاقوا مرارتها وقساوتها ودمويتها.
لا تنبع أهمية الكتاب فقط من كونه أداة فضح موضوعية للممارسات الإسرائيلية العرقية ضد الفلسطينيين، وليس من كونه أداة فضح جديدة للتاريخ الإسرائيلي المزيف، بقدر ما تنبع من عدم إغفالها للراوي الفلسطيني، صاحب القضية وصاحب الأرض وصاحب التاريخ الذي تحاول إسرائيل طمسه وإبادته ومحوه من على خارطة العالم.
يمنحنا الكتاب حقائق جديدة حول الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في مرحلة النشأة، وهو الأمر الذي يساعدنا لا محالة على فهم الممارسات الإسرائيلية الآنية ضد الفلسطينيين وغيرهم من شعوب المنطقة.
ورغم أن إيلان بابي الإسرائيلي اليهودي قد التزم الموضوعية في فضحه للدولة العبرية التي ينتمي إليها، فإن هناك الكثيرين في عالمنا العربي مازالوا يدافعون عن إسرائيل وممارستها، ويلومون الفلسطينيين واللبنانيين والعرب. وبقدر ما ينكشف هؤلاء يوماً بعد يوم، بقدر ما تزداد بجاحتهم، وتعمى بصيرتهم، ويزدادون شراسة. اللهم قنا شرورهم، وامنحنا المزيد من أمثال المؤرخ إيلان بابي!!
كاتب مصريكاتب مصري