متى يستطيع العرب أن يمتنعوا عن قبول الضغوط في ما لا يبدو متفقاً مع مصالحهم، حتى لو سلمنا افتراضاً ما يقال بعدم قدرتهم على ممارسة الضغوط على الآخرين لقبول ما يحقق مصالحهم؟!

يطرح هذا السؤال نفسه بينما رحب وزراء الخارجية العرب المجتمعين في القاهرة بفكرة عائمة وغائمة صدرت عن الرئيس الأميركي في واشنطن، لا تحمل جديداً ولا مفيداً لعقد اجتماع دولي أو مؤتمر دولي لبحث «إحياء عملية السلام»، مع عدم قبول مبادرة السلام العربية، وبدون تحديد جدول أعمال واضح، وعدم حضور أطراف الصراع الأساسيين في هذا اللقاء!!

الأشياء الوحيدة التي حددها الرئيس الأميركي لهذا الاجتماع هي الخريف موعداً ونيويورك مكاناً للمؤتمر، والآنسة رايس رئيسة له، وتحديد «الدول العربية المعتدلة» كأطراف حضور.. فهل هذا معقول أو مقبول؟!

والترحيب العربي بعناصر إيجابية فيما سمي بالمبادرة الأميركية، استند على تأكيد واشنطن على حل الدولتين، وهو الكلام الذي سمعناه من الرئيس الأميركي ورحبنا به مرات قبل سنوات، ولم يتحقق شيء من هذا الكلام سوى مزيد من المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية ومزيد من الحصار والضغوطات على الشعب الفلسطيني، بل ومزيد من الاعتداءات على شعوب فلسطين ولبنان والعراق، ومن الضغوط والتهديدات لسوريا والسودان!!

وحينما وعد الرئيس الأميركي بأن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة عام 2005، تحرك الموعد إلى 2007 ثم إلى 2009.. ثم إلى تعويم الموقف بمحاولة إعادة اللعب والمراوغة من جديد بفكرة لم تتحدد لديه بعد.. ولم يستطع العرب أن يقولوا له «لا.. كفانا لعباً، نريد أفعالاً لا أقوالاً»!!

والمثير للاستغراب في دعوة «بوش» أن حل الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد بحاجة إلى توصيات ولا إلى مؤتمرات جديدة، بقدر الحاجة إلى تنفيذ القرارات الأممية ومقررات ما سبق من مؤتمرات، وأهمها تطبيق مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي قرره المؤتمر الذي دعا إليه «بوش الأب» في مدريد عام 1991، وهو ما يعني ببساطة أن تعلن إسرائيل موافقتها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 67 مقابل السلام العربي معها.

وهذا ما أكدته المبادرة العربية للسلام التي لم توافق عليها لا أميركا ولا إسرائيل بعد.. فأي سلام تسعى أميركا إلى إحيائه؟!

كما أن القرارات الأممية المتصلة بالصراع وفي مقدمتها القراران 242، 338 تؤكد على مبدأ دولي وأخلاقي مهم هو «عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة».

فماذا يعني الكلام عن إحياء عملية السلام، بينما الإصرار الأميركي الإسرائيلي على استمرار الاستيلاء على أراضي العرب بالقوة قائم في فلسطين والجولان وجنوب لبنان، فضلاً عن العراق والصومال؟!

ثم إن هذه القرارات الدولية تنص على مبدأ إنساني وأخلاقي أكثر أهمية وهو «عدم جواز مكافأة المعتدي».

فكيف يكون الكلام الأميركي محل ترحيب بينما أميركا تكافئ المعتدي الإسرائيلي، بل وتريد أن يكافئها العرب بالتطبيع قبل التوقيع وبالسلام قبل عودة الأرض واللاجئين والنازحين الفلسطينيين؟!

وفي ما يشبه الهجوم الدبلوماسي الضاغط على دول المنطقة جاءت الآنسة «كوندي» وزيرة الخارجية وبرفقتها «جيتس» وزير الدفاع، ربما ليس لإحياء عملية السلام وإقامة الدولتين بقدر ما بدا ذلك الهجوم محاولة لإحياء الهيبة الأميركية وتعويم الموقف المأزوم للإدارة في واشنطن والموقف المهزوم للجيش الأميركي في العراق، والضغط على قوى الممانعة العربية والإسلامية في المنطقة.

ثم يبقى السؤال المنطقي: كيف يمكن الترحيب باجتماع دولي أو مؤتمر دولي يخص قضية السلام في غياب متعمد للحوار أو التفاوض مع طرفين أساسيين في الصراع، وهما سوريا ولبنان اللتين يلزم أن تعيد إسرائيل إليهما الأرض مقابل السلام.. بينما يتم التفاوض مع أطراف أخرى ليست لها أراض محتلة؟

وحتى بالنسبة لفلسطين، هل يمكن أن يتقرر أي حل عملي مع الضفة دون غزة أو مع فتح دون موافقة كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس التي تمثل بالديمقراطية جزءاً كبيراً من الشعب الفلسطيني؟

ويبقى السؤال.. ألا يحتاج العرب أولاً، إلى التحديد قبل الترحيب؟ وإلى التوقيع قبل التطبيع؟ حتى لا ندخل في جولة جديدة من اللعب بالقضية والتلاعب بالعرب؟!

mamdoh77t@hotmail.com