من أجل إنقاذ العراق من محنته التي تتعلق في المقام الأول بأحواله الأمنية المتردية، تشهد المنطقة تحركات سياسية عديدة ومهمة في عدة جهات. لعل أبرزها جولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي التي بدأت بتركيا ثم إيران أمس، والتي سبقها الاجتماع الثلاثي «العراقي ـ الإيراني ـ الأميركي».

وفي نفس الوقت الذي بدأ فيه المالكي محادثاته مع القادة الإيرانيين، شهدت العاصمة السورية دمشق أمس اجتماعا مهما حول الأمن العراقي، بحضور ممثلين عن 13 دولة تشمل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، بالإضافة إلى دول جوار العراق والبحرين ومصر وممثلين عن جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

هدف لقاء دمشق، كما قال وزير الداخلية السوري بسام عبد المجيد، هو مساعدة الشعب العراقي على تجاوز محنته وصون سيادته ووحدة أراضيه وتأمين حدوده وتعزيز وحدته الوطنية. وتكمن أهمية الاجتماع في أنه يبحث كافة الاضطرابات الأمنية بين العراق ودول الجوار، وسبل العمل على إنهائها، وخاصة تلك المتعلقة بتسلل المقاتلين إلى العراق، بالإضافة إلى سبل تعزيز العلاقات والتعاون بين الدول المعنية.

واستضافة دمشق للقاء، تؤكد حرص سوريا على أن تشارك بفعالية وجدية في إنقاذ جارها الشقيق الذي لا تجف دماء أبنائه، بسبب مسلسل التفجيرات التي تحصد يوميا أرواح الأبرياء في العديد من المدن العراقية. وكثيرا ما تعرضت سوريا لسيل من الافتراءات ومزاعم بأنها تسمح للمقاتلين بعبور حدودها إلى العراق، وهو ما تنفيه دمشق بشدة، إذ أكدت أكثر من مرة أن إمكانية ضبط حدودها الطويلة مع العراق أمر مستحيل، بالرغم من قيامها بكل ما تستطيع لمنع التسلل.

وقد أكد الوزير السوري أن بلاده دعمت إجراءاتها الأمنية على الحدود مع العراق بنقاط حراسة ثابتة ودوريات أمنية، منعا لعبور الأشخاص والمواد الممنوعة، مشيرا في ذلك إلى ضبط أعداد كبيرة من مواطني الدول الأخرى ممن حاولوا عبور الحدود إلى العراق، ومؤكدا أيضا استعداد دمشق للتعاون بما يحقق مصلحة سوريا والعراق، داعيا في الوقت ذاته إلى تعاون دولي في مكافحة الإرهاب.

وللحقيقة، تعتبر مسألة أمن العراق ـ كما أشارت وكالة الأنباء الألمانية. من أولويات الحكومة السورية التي تعلق أهمية كبيرة على عودة الأمن والهدوء لجارها العراق، الأمر الذي من شأنه إزاحة عبء اللاجئين العراقيين المتواجدين في سوريا والذين وصل عددهم وفق إحصائيات غير رسمية إلى حوالي مليوني شخص. وهذا الرقم ـ حسب الوكالة ـ يشكل ضغطا كبيرا على الحكومة والشعب السوري بشكل عام، حيث أدى تواجدهم إلى ارتفاع كبير في كافة أسعار السلع، وصل في بعض المواد إلى ثلاثة أضعاف، منذرا بوجود أزمة لاجئين في سوريا.

إذن من مصلحة سوريا الشقيقة، أن يستعيد العراق أمنه واستقراره، وهو ما يحقق منفعة مشتركة للبلدين اللذين تجمعهما مصالح قومية مشتركة على مر العصور. الأنظار تتجه أيضا إلى زيارة المالكي الحالية لإيران، وهي زيارة لها مغزاها. فحسب تصريحات الجانبين، هناك رغبة مشتركة في تعزيز العلاقات الثنائية، وهو ما يعني أن قضايا الأمن في العراق من أولويات ما يبحثه المالكي في طهران، خاصة بعد أن أسفرت عدة جولات من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة ومعهما العراق حول الأمن، عن تشكيل لجنة أمنية ثلاثية. مثل هذه اللجنة معنية بان تساهم في مساعدة العراق في تجاوز أزمته الأمنية المستفحلة.

المأمول من لقاءات طهران واجتماعات دمشق، أن تثمر عن نتائج ايجابية وعملية، تزيح عن كاهل الشعب العراقي الصامد مشهد العنف اليومي الدامي الذي يطحن أبناء الرافدين.