وصف الجنرال ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر المعارض في لبنان الانتصار الذي حققه التيار بأنه لا يقاس بعدد الأصوات التي تحقق الفوز بها، وإنما بحجم الاهتمام الإعلامي بها والذي غطى الكرة الأرضية.
فلم تحظ انتخابات قط في دائرة فرعية في لبنان ولا في خارج لبنان بهذا القدر من الجدل والإثارة داخل لبنان، ولا بهذا الحجم من الاهتمام الإعلامي والمتابعة السياسية من خارج لبنان، مثل ما حظيت به الانتخابات الفرعية على مقعد دائرة المتن الشمالي والتي انتهت بفوز مرشح التيار العوني على مرشح التيار الكتائبي.
وربما يبدو هذا الوصف أقرب الأوصاف للواقع بالنظر إلى الفارق الهائل بين الوزن الشخصي والرصيد السياسي لمرشح التيار الوطني الحر، بالمقارنة بالوزن الشخصي والرصيد السياسي لشخصية سياسية بوزن الرئيس الشيخ أمين الجميل.
هذا الفوز الذي حققه الدكتور كميل الخوري مرشح التيار الوطني الحر بفارق ضئيل على الرئيس الشيخ أمين الجميل، تم احتسابه انتصارا للتيار العوني وتجديدا للثقة بما يعزز مكانته كزعيم مسيحي ذي شعبية مؤكدة في انتخابات الرئاسة القادمة خلفاً للرئيس إميل لحود.
فما هي حسابات المكسب والخسارة بعد الانتخابات الفرعية النيابية لكلا التيارين الرئيسيين المتناقضين، فريق الموالاة الحاكم المعروف باسم «14 آذار» المناهض لسوريا وإيران والمتهم بالموالاة لأميركا وفرنسا، وفريق المعارضة المعروف باسم «8 آذار» المناهض لإسرائيل وأمريكا والمتهم بالموالاة لسوريا وإيران؟
النتيجة في ظاهرها هي أن لا غالب ولا مغلوب، حيث فاز مرشح الموالاة بمقعد بيروت، وفاز مرشح المعارضة بمقعد المتن، بينما في حقيقتها خسارة مضاعفة للموالاة.. حيث خسر هذا الفريق الحاكم مقعداً بعد أن كان كلا المقعدين لحسابه، كما خسر هذا الفريق جزءاً من رصيده السياسي خصوصاً في الشارع المسيحي الذي جدد ثقته بالجنرال عون وما يمثله من مشروع سياسي، على حساب الرئيس الجميل وما يمثله من تحالف سياسي، بما يعني زيادة رصيد المصداقية السياسية والمراهنات المستقبلية للجنرال على حساب الرئيس بتمثيله لهذا الشارع في انتخابات رئاسة الجمهورية.
إن حجم المكسب والخسارة لكلا الطرفين يبدو أكثر وضوحاً بالنظر إلى إصرار حكومة السنيورة الممثلة لسلطة فريق 14 آذار على إجراء هذه الانتخابات لشغل المقعدين اللذين شغرا بعد جريمة اغتيال النائبين المواليين بيار الجميل ووليد عيدو، رغم ما يمكن ان تقع فيه هذه الخطوة الحكومية من افتقار للشرعية أو مخالفة للدستور، إلى الحد الذي جعل حزبين كبيرين رئيسين مثل «حزب الله» و«حركة أمل» يقاطعان هذه الانتخابات الفرعية، لأن الدعوة إليها صدرت من رئيس الحكومة وليس من رئيس الجمهورية حسب الدستور.. خصوصاً إذا كانت هذه الحكومة نفسها من وجهة نظر المعارضة حكومة لا شرعية ولا دستورية، كما أن رئيس الجمهورية يعتبر ان إصرارها على إجراء الانتخابات انتهاكا للدستور واعتداء على صلاحيات رئيس الجمهورية.
إن هذا الإصرار الحكومي على إجراء الانتخاب، بدا كعملية استفتاء مضمون النتائج في ضوء الاعتبارات التقليدية والعاطفية التي تجعل مقعد الدائرة يتم توريثه من الأب إلى الابن وبالعكس، خصوصاً في حالات الاغتيال مثلما جرى بعد جريمة اغتيال الكاتب جبران تويني بمنح الناخبين ثقتهم لوالده الكاتب الكبير غسان تويني.. وبدا لفريق 14 آذار أن الفوز المضمون فيه يعزز مواقفهم الساعية لأن يكون المرشح القادم للرئاسة من هذا الفريق.
وإذا لم يكن مستبعدا أن يكون ترشيح الرئيس الأسبق أمين الجميل هو «بروفة» لانتخابات الرئاسة المقبلة، باعتبار هذه الدائرة بالذات مقياساً لموقف الشارع المسيحي عموماً والماروني خصوصاً ومن يفوز بثقتها يؤكد زعامته لهذا الشارع ومرجعيته السياسية لهذه الطائفة، فإن الخسارة بدت قاسية بعدم قدرة الرئيس الأسبق الساعي لأن يكون الرئيس القادم على الفوز على الجنرال بمقعد نيابي، مما قد يفتح الطريق إلى قصر بعبدا للجنرال عون.
وفي النهاية من الواجب الإشادة بحضارية وسلامة المشهد الانتخابي في ظل حكومة 14 آذار، حتى ولو وصفها معارضوها باللا شرعية واللا دستورية، وحتى وإن لم تعترف بهزيمتها في المتن بل ووصفتها بالانتصار!