لم يعد بمقدور الدول العربية الاستمرار بحالة الشقاق والانقسام التي اتسمت بها المرحلة الزمنية الممتدة منذ حرب تحرير الكويت في عام 1991 وحتى الآن، والتي ما انفكت تزداد حدة وعمقاً خاصة منذ الاحتلال الأميركي للعراق، مروراً بالزلزال اللبناني بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانتهاء بالفتنة التي حلت على الشعب الفلسطيني والتي أدت إلى الشرخ السياسي الحاد بين الأخوة الفلسطينيين في فتح وحماس.
هذه الأحداث الكبرى أدت فعلاً إلى تقسيم مواقف الدول العربية تجاه العديد من القضايا الهامة، بين معتدل ومتطرف وبين مؤيد ومعارض وبين مرحب ومستنكر وبين لاعب ومحايد وبين مُؤثر ومتأثر. كما أن هذه الأحداث الخطيرة على مستقبل القضايا العربية مكنت دولاً خارجية، مجاورة أو صديقة أو كبرى أو حتى معادية، من إحكام التدخل المباشر وغير المباشر في القضايا السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، وأصبحت تلعب دوراً محورياً في صياغة العلاقات العربية - العربية والعربية ـ الإسلامية والعربية ـ الأجنبية بشكل يخدم مصالحها ومصالح حلفائها من غير العرب، على حساب المصالح العربية التي لم تعد رئيسية ولها أولوية.
فبعض هذه الأحداث كانت السبب في تدهور العلاقات الكويتية - العراقية والخليجية - العراقية والعربية ـ العراقية، بسبب سياسة النظام العراقي السابق الذي لم يحترم أسس ومبادئ ميثاق الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة، واستغل الظروف والتطورات الإقليمية والدولية بعد انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية التي يتحمل وزرها ، ليغزو دولة شقيقة بموافقة غير مباشرة ـ أو ما يسمى بالضوء الأخضر ـ من قبل سفير دولة كبرى ، لتدخل المنطقة في تطورات غير مسبوقة من التوترات واختلال لموازين القوى ، وتصل إلى ما وصلت إليه اليوم ولا يعلم أحد إلى أين؟!!
وكانت أخطر نتائج الاحتلال العراقي للكويت أنه مهد الطريق إلى تدخلات إقليمية غير عربية وأجنبية خبيثة، لتعبث بأمن منطقة الخليج العربي والأمن العربي بأكمله وبحصار بلد عربي كبير ثم يتم احتلاله بدون غطاء شرعي من الأمم المتحدة، ومن ثم يقع هذا البلد تحت سيطرة ونفوذ دولة إقليمية كبرى تحولت إلى لاعب سياسي وأمني محتكر على حساب الدور السياسي والأمني العربيين. ويبقى اللاعب الأجنبي المحتل إما حائراً مستغرباً أو أنه أراد أن يحدث، ما حدث بانتظار خطوة أو خطوات تالية يبدو أنها لن تستثني اللاعب الإقليمي المباشر في العراق.
وهنا نتساءل في العالم العربي بقدر من الحكمة والمسؤولية: أين هو الدور العربي الجماعي وأين هو التضامن العربي الذي تحدثت عنه القرارات والمؤتمرات والاجتماعات العربية الجماعية والثنائية؟!! كما نتساءل أيضاً أين هو الموقف العربي الموحد من التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة العراقية من جهة ومن التطور الخطير للموقف الأميركي تجاه الجار الإقليمي الذي يجسد اللاعب الرئيسي في العراق؟!!
والبعض الآخر من الأحداث والتي تمثلت بالتطورات في الساحة اللبنانية، وهي لا تقل خطورة عما يجري في العراق لاسيما وأن اللاعبين الأساسيين والمؤثرين غير لبنانيين إن لم نقل إنهم هم ذاتهم اللاعبون المباشرون في العراق. فلبنان المنقسم سياسياً ومذهبياً اليوم يشكل امتحاناً كبيراً للسياسة العربية المنقسمة في مواقفها وتحالفاتها تجاه الملف اللبناني ومستقبل لبنان وعلاقاته العربية والأجنبية.
لبنان اليوم ينقسم سياسياً إلى موالاة ومعارضة، ومذهبياً إلى سنة وشيعة، وانتماء إلى عربي وأجنبي ، الأمر الذي أضعف الوحدة الوطنية وقوى التدخل الخارجي، وأصبح لبنان كله رهينة للقرار الخارجي من جهة ولمصير سياسة المحاور التي نشهدها في المنطقة والتي لا تنفصل عن باقي الملفات الإقليمية الساخنة، من جهة أخرى.
وكما هو الحال في العراق فالواضح أنه لا يوجد موقف عربي موحد تجاه الملف اللبناني، بل إن الموقف العربي تجاه هذا الملف أكثر تشرذماً وانقساماً منه في الشأن العراقي ، وما يزيد الأمر سوءا هو أن إسرائيل التي تحتل جزءاً من الأرض اللبنانية، هي لاعب أساسي ومباشر إن لم تكن اللاعب الأقوى، آخذين بعين الاعتبار الدور الأميركي والغربي الداعم للمواقف الإسرائيلية.
أضف إلى ذلك أن الموقف العربي يبدو أكثر تشرذماً وانقساماً في لبنان، لأن سوريا والمملكة العربية السعودية تحديداً غير متفقتين في مواقفهما وتحالفاتهما السياسية في لبنان لاسيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري منذ أكثر عامين.
فالسياسة السورية تجاه لبنان تحكمها ثلاث ركائز أساسية: الجغرافيا السياسية التي هي مهمة جداً للأمن القومي السوري، والتاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي وأخيراً الصراع العربي - الإسرائيلي الذي ترى فيه سوريا عاملاً أساسياً وحيوياً لبلورة العلاقات السورية - اللبنانية بشكلها الاستراتيجي. هذه الركائز مجتمعة تحدد البوصلة التي من خلالها تتشكل السياسة السورية تجاه الملف اللبناني والأوضاع الداخلية في لبنان.
أما سياسة المملكة العربية السعودية تجاه لبنان فهي ترتكز بشكل أساسي على دعم وحدة لبنان واستقلاله السياسي والوطني، ومن أجل ذلك قدمت دعماً مالياً واقتصادياً وسياسياً كبيراً عبر العقود الماضية. ولكن في نفس الوقت فالسعودية لا تشاطر لبنان حدوداً جغرافية ولا تعاني من احتلال إسرائيلي لأراضيها، وبالتالي فإن السياسة السعودية لا تعاني من فوبيا الغطرسة الإسرائيلية وسياساتها العدوانية المباشرة والمتكررة على أمنها وأراضيها وحدودها كما هو الحال بالنسبة للسوريين والفلسطينيين واللبنانيين.
ومصلحة لبنان تحديداً تكمن دائماً في أن تتوحد المواقف السورية والسعودية بدعم مصري وعربي عام، لتجنيب الشعب اللبناني ومستقبل لبنان ازدياد خطر التدخلات الخارجية في الشؤون اللبنانية ولتمكين اللبنانيين من إعادة اللحمة الوطنية وتوحيد المواقف الوطنية وإن بقيت المواقف السياسية متباعدة. فسوريا والسعودية مؤهلتان وقادرتان كما في السابق على لعب دور إيجابي يحد من تدهور الوضع السياسي اللبناني الذي قد يؤدي إلى تدهور أمني وغير ذلك، إذا تركت الأمور إلى الأطراف الخارجية الأجنبية.
أما الملف الفلسطيني، الذي هو لب الملفات وأهمها وأخطرها على الإطلاق لما له من تداعيات على المنطقة بأسرها كما أثبتت التجارب الماضية في العراق ولبنان ومنطقة الخليج وغيرها من القضايا العربية والإسلامية، فهو في أمس الحاجة إلى تضامن عربي حقيقي وواضح حتى لا يبقى عرضة لابتزاز خارجي من جهة، وتهديداً لأمن هذا البلد العربي أو ذاك من جهة أخرى ، وكي يصل الشعب الفلسطيني إلى تحقيق كامل أهدافه الوطنية والسياسية التي تخدم المصلحة الفلسطينية والعربية في آن واحد.
إن الدور العربي في رأب الصدع بين الأخوة الفلسطينيين، هو واجب وطني وعقائدي مستمر لا يجب أن ينضب، لأن في ذلك مصلحة للأمن القومي العربي قبل كل شيء وفوق كل واجب ، وأن هذا الدور يجب أن لا يتحول إلى دور تنافسي بين الدول العربية أو أن يستعمل كأداة عقاب ضد أي دولة عربية، لأن المصلحة العربية العليا تكمن في وحدة الصف الفلسطيني وقوته وفي دعم الشعب الفلسطيني، وليس طرفا فلسطينيا واحدا ضد السياسات العدوانية الإسرائيلية وضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الطموحات الإسرائيلية في فلسطين والعالم العربي.
لقد أصبح التضامن العربي في هذا الوقت تجاه القضايا الساخنة في العالم العربي هو الحد الأدنى الذي لا يمكن التفريط به، لمواجهة الأخطار والتحديات الكبرى التي تواجهها الأمة العربية بأكملها وليس دولة عربية واحدة. وهنا نستطيع القول إن الأولويات السياسية والأمنية العربية يجب الاتفاق عليها مجدداً من قبل الدول العربية، حتى لا يستمر التخبط السياسي العربي مقابل الخطط والمخططات الخارجية ضد مستقبل الشعوب العربية وأمنها.
كاتب وباحث سياسي