يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لا تزال حائرة بشأن خياراتها اللاحقة، وذلك بسبب التخبط الذي وصلت إليه سياساتها خلال السنوات الأربع ونيف الماضية في العراق. ولعلها بدأت تستعين بما في خزانتها من مشاريع وخطط، كان آخرها هو مشروع جوزيف بايدن السيناتور الديمقراطي بشأن تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات: شيعية، وكردية، وسنيّة تحت مظلة حكومة مركزية واحدة، لكنها حكومة يراد لها أن تكون ضعيفة أو معوّمة.

وقد أعطت إدارة الرئيس بوش بعض الإشارات «الايجابية» بشأن مشروع بايدن، الذي كان مهملاًن فساهمت في نفض الغبار عنه، وهو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز، فذكرت أن لقاءات أجريت بين بايدن وعدد من أعضاء مجلس الأمن الدولي للتباحث بشأن المشروع الذي حسب بايدن لقي استجابات جيّدة.

ووفقاً لخطة بايدن فإن تقسيم العراق هو المخرج الوحيد للخروج من المأزق، خصوصاً وان الأكراد لديهم مشروعهم الفيدرالي وكذلك الأحزاب الشيعية (المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة)، وحتى بعض الأطراف الممتنعة والمعارضة للأسلوب والتوقيت، الاّ أنها لا تختلف من حيث الأهداف (جماعة السيد مقتدى الصدر). ولعل هذه هي القوى الأكثر حسماً حالياً ضمن إطار المجموعات المشاركة في العملية السياسية وتركيباتها في الحكومة والبرلمان.

يذكّر مشروع بايدن بما طرحه فولر من مؤسسة راند Rand الأميركية الذي وجّه سؤالاً كبيراً واستبطانياً في مطلع التسعينات عندما وضع الأمر وبالأحرف الواضحة: هل سيبقى العراق موحداً عام 2002؟ وكان تساؤله قد احتوى على حزمة من علامات الاستفهام، بما فيها السيناريوهات والتكهنات لمستقبل العراق وما له علاقة بتوجهات الولايات المتحدة الاستراتيجية، وخصوصاً منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وبالأخص بعد غزو القوات العراقية للكويت (2 أغسطس 1990). قلّة قلية هي التي أدركت خطورة سؤال فولر وما يضمره من احتمالات تقسيم العراق!

من جهة أخرى بدا للبعض أن سؤال فولر الذي يضعه بايدن على بساط البحث، غير واقعي أو لا يتذكر الحقائق الجيوسياسية، والسوسيوتاريخية، ناهيكم عن اشتماله على قدر صارخ من العداء المعلن للدولة العراقية القائمة، بل انه يحفّز على نحو استفزازي مشاريع الانقضاض عليها لأسباب مختلفة داخلياً وخارجياً (إقليميا ودولياً)!

وكان حل مؤسسات الدولة العراقية وخصوصاً العسكرية والأمنية الحامية لأرواح وممتلكات المواطنين وهو ما يفترض انه وظيفتها، بحجة ارتباطها بالنظام السابق، قد فتح الباب على مصراعيه بشأن مستقبل الدولة العراقية بعد تعويمها الذي تساوق مع إعادة تركيبها على أسس مختلفة، بل جنح في ذلك بعيداً وفقاً لقسمة طائفية - إثنية وجدت ضالتها في أول تشكيل حكومي (مجلس الحكم الانتقالي) وسرى في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، خصوصاً ما سببّه من احتقان وعنف مذهبي واثني وانقسام حاد.

وهكذا أصبح موضوع التقسيم يُطرح تحت عناوين مختلفة، فتارة تحت اسم الفيدراليات، وان كان للفيدرالية الكردية حيثيات وتاريخ، وتارة تحت عنوان حصص الأقاليم من واردات النفط، وثالثة باسم حقوق أو حصص الطوائف وامتيازاتها، ورابعة تحت يافطة الخصوصية والحفاظ على الأمن وغيرها.

لعل خطة بول بريمر الحاكم المدني الأميركي السابق في العراق، كانت الاختبار الأول لمدى وإمكانية تحقق سؤال فولر، خصوصاً وأنها كانت المجسّ الذي يُراد له معرفة استمرار أو تبديد مسألة الدولة العراقية الشديدة الصرامة والمركزية، من خلال قراءة استباقية للمجتمع العراقي وتكويناته وموزاييكه المتنوع، وخصوصاً ما ذهب إليه بعض المتطرفين والطامعين لتكريس الامتيازات والحصص، الأمر الذي تحرك مجدداً بعد قانون الأقاليم ومناقشة قانون النفط والغاز.

هكذا تبدو تضاريس الخارطة السياسية العراقية وعرة ومعقدة، لدرجة جعلت استراتيجية أكبر دولة في العالم تتخبط وتتأرجح بين ما تريد أو ما خططت له، وبين ما هو ممكن وبخاصة بعد تزايد عمليات المعارضة والممانعة والمقاومة، ناهيكم عن استشراء العنف وتشظي المجتمع وتعمق أزمة العملية السياسية برّمتها، المنذرة بالمزيد من التفكك والتقسيم وخصوصاً بعد انسحاب جبهة التوافق من الحكومة (الركن الثالث من المعادلة القائمة)، إضافة إلى تحفظات جماعة السيد مقتدى الصدر وحزب الفضيلة (الإسلاميان الشيعيان)، واستمرار انتقاد القائمة العراقية برئاسة د. أياد علاوي (رغم ضعفها وانسحاب بعض أعضائها) أداء الحكومة والمطالبة بتغييرها.

كل هذه المعطيات جعلت إدارة بوش تستعيد أو ترجح بعض الحلول المطروحة، خصوصاً بعد أن جاءت توصيات مجموعة دراسات العراق Iraq studies Group غير متوافقة مع حسابات الرئيس الأميركي. وكانت توصيات لجنة جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق ولي هاملتون عضو الكونغرس (المؤلفة من 10 أعضاء من الجمهوريين والديمقراطيين)، قد اقترحت بعض الحلول والمعالجات وخصوصاً إشراك دول الجوار (إيران وسوريا).

وتحديد موعد لبدء الانسحاب (2008)، وتحقيق بعض الخطوات السياسية لتوسيع دائرة المشاركة وإنجاح خطة المصالحة الوطنية، وحل الميليشيات واتخاذ بعض الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، إلاّ أن الرئيس الأميركي وضع هذه المقترحات على الرف (أواخر العام 2006)، وان عاد وأخذ بجزئيات من الخطة في ما يتعلق بالحوار الإيراني- الأميركي الذي كان قد انقطع منذ أزمة الرهائن الأميركان في طهران عام 1980.

وتتحفظ مجموعة دراسات العراق على مشروع جوزيف بايدن أو مشاريع التقسيم، لاعتبارات تقول بصعوبة الفصل الجغرافي أو الطائفي وخصوصاً نسبة الزواج المختلط الكبيرة جداً، إضافة إلى مواقف الدول الإقليمية وخصوصاً المملكة العربية السعودية والأردن، ويمكن إضافة سوريا وتركيا. ويمضي بايدن في تقديم أطروحته بالقول إن تقسيم العراق ليس الحل الأمثل أو النموذجي أو أفضل الخيارات لإنهاء الصراعات الطائفية والإثنية، إلا انه في الظرف الملموس وبسبب اندلاع الاقتتال الداخلي يعتبر أفضل الخيارات المتاحة.

ولعل هذا الاستنتاج المثير والصادم هو ما يُراد أن يصل العراق إليه باستمرار الحرب الأهلية واستشراء الطائفية والمذهبية، وخصوصاً التطهير والإجلاء السكاني الذي بلغ أكثر من أربعة ملايين عراقي لاجئ ونازح، واستفحال الإرهاب والعنف والقتل على الهوية وسيادة ظاهرة الميليشيات وتفشي الفساد والرشوة وتبديد وسرقة المال العام، إضافة إلى تعاظم التداخلات الإقليمية ناهيكم عن استمرار الاحتلال.

لكن مشروع بايدن ومعه مشروع جوزيف ادوارد من معهد بروكينجز، يقرّان بأنه إن لم يتم التخطيط بشكل جيد لعملية التقسيم فإنه سيؤدي إلى عدم الاستقرار، بل يهدد بانتشار الفوضى، خصوصاً وان هناك فارقاً بين تجربة البوسنة والوضع العراقي، حيث إن جيران الأولى وهما صربيا وكرواتيا كان هدفهما هو تقسيم البوسنة، في حين أن جيران العراق لا يريدون ذلك .

وهو الأمر المختلف. ويطرح مشروع التقسيم عدداً من الأسئلة بخصوص رسم الحدود بين الأقاليم الثلاثة، وخصوصاً كيف يمكن تصنيف بغداد والموصل وكركوك، ففي حين يقترح بايدن اعتبار بغداد مدينة «دولية» مستقلة، يرى ادوارد أن ذلك سيؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار، علماً بأن ثلثي عمليات النزوح حدثت في بغداد، لهذا لا بدّ أن تكون العاصمة بغداد جزءًا من عملية التقسيم، رغم أن الدستور الحالي يحول دون انضمامها إلى أي إقليم، لكن ادوارد يقترح إجراء عملية تغيير في الدستور وتعديل لعدد من المواد التي تسهّل عملية التقسيم.

وبعد رسم الحدود بحيث لا تؤثر على عملية توزيع الموارد النفطية، ووضع قواعد صارمة لحماية الأقليات ومنع إجبار أي مواطن على الانتقال إلى إقليم آخر، فلا بدّ من إصدار هويات خاصة بكل إقليم ووضع نقاط تفتيش على حدود كل إقليم، وذلك بهدف محاصرة «العناصر المتطرفة».

وتقدّر تكلفة هذه العملية بمبلغ مليار دولار، وتحتاج إلى نحو 300 ألف جندي تساعدهم قوات التحالف، التي ستركّز على حراسة الحدود بين الأقاليم الثلاثة ونقاط التفتيش، إلى جانب تأمين «المنطقة الخضراء»، وذلك خلال فترة انتقالية تتراوح بين 12-18 شهراً.

هل ستتحقق نبوءة فولر التي يرفع لواءها اليوم مشروع بايدن وخطة ادوارد، أم أن استراتيجية واشنطن ستضطر إلى إجراء تغييرات كبيرة بما فيها إعلان خطة للانسحاب وتحديد جدول زمني، وتوسيع دور الأمم المتحدة، وهو ما ذهب إليه المشروع الأميركي- البريطاني مؤخراً؟!

كاتب ومفكر عراقي