السلام الشامل المنشود القائم على العدل طبقاً للشرعية الدولية، تتملص منه إسرائيل وتتجاهله. فهي تريد سلاماً يوفر لها الأرض والأمن معاً. ومبدأ «الأرض مقابل السلام» لا مكان له في السياسة أو الفكر الإسرائيلي على مر العصور. والدليل أنها لم تقدم رداً واضحاً وصريحاً عن موقفها تجاه مبادرة السلام العربية القائمة على هذا المبدأ.
نعم.. هي تعلن من حين لآخر أنها تؤيد قيام دولة فلسطينية، ولكن على الأرض التي تحددها جغرافياً، حتى ولو تباعدت المسافات بين حدود تلك الدولة وصارت أشبه بكانتونات أو تجمعات فلسطينية لا رابط جغرافياً بينها.
قادة الدولة العبرية يروجون الآن لمخطط سبق الحديث عنه منذ سنوات. وهو مخطط «مبادلة الأراضي». فقد كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أمس، أن الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز اقترح إقامة دولة فلسطينية على أراض تعادل كامل مساحة الأراضي في الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل خلال عدوان يونيو 1967.
وقالت إن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت يدرس اقتراحا لاتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين قدمه بيريز، ويقضي بإقامة الدولة الفلسطينية مع مبادلة مستوطنات يهودية في أراضي الضفة الغربية المحتلة ببلدات عربية داخل إسرائيل. أي أن هدف المخطط هو تفريغ الاراضي الواقعة داخل الخط الأخضر من فلسطينيي 48 الذين يطلق عليهم «عرب إسرائيل».
هذا المخطط العنصري، يتبناه في برنامجه السياسي أكثر الأحزاب الإسرائيلية تشددا وتطرفا وعنصرية، وهو حزب «إسرائيل بيتنا» الذي يتزعمه وزير الشؤون الاستراتيجية أفيغدور ليبرمان. وفي حين تزعم صحيفة هآرتس، أن هذه الأفكار في اقتراح بيريز من شأنها أن تمنع انسحاب «إسرائيل بيتنا» من حكومة أولمرت، فان المخطط يسبق ظهور حزب «إسرائيل بيتنا» إلى الوجود. والحزب هو الذي تبنى أفكار السابقين، ويؤمن بالفكرة قادة حزب العمل الإسرائيلي وعلى رأسهم إيهود باراك الزعيم الحالي لحزب العمل، إلى جانب بيريز.
وإذا كان مكتب أولمرت قد نفى أمس أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بصدد بحث خطة مبادلة الأراضي، فان ذلك لا يعني أنه رافض للفكرة التي تتناسب مع فكره ومواقفه القائمة، مثل غيره من قادة إسرائيل، على الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى المقامة منذ عدوان 67 على أراضي الضفة الغربية.
إن الترويج الإسرائيلي لمخطط «مبادلة الأراضي»، يكشف عن أن الدولة العبرية لا تريد أن تسلم للفلسطينيين أراضي الضفة الغربية كاملة، وتتمسك بالقدس العربية التي احتلتها عام 67.
والمخطط يكشف أيضاً عن نوايا إسرائيل العنصرية، فهي تريد أن تجعل الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر يهودية بنسبة مئة في المئة. ومما يعزز هذه الحقيقة قيامها ببناء الجدار الفاصل فوق أراضي الضفة الغربية، الذي وصفه خبراء دوليون في أكثر من مناسبة بأنه جدار عنصري قائم على نفس الفكر الذي تبناه حكام جنوب إفريقيا في زمن العنصرية.
ولعل أصدق تعبير عن مخطط «مبادلة الاراضي»، هو ما جاء على لسان النائب العربي في الكنيست أحمد الطيبي الذي قال إن خطة بيريز «تتعامل مع المواطنين العرب في إسرائيل على أنهم رهائن وليسوا مواطنين».
إن تصريحات قادة إسرائيل، سواء داخل السلطة أو خارجها بمن فيهم أعضاء الكنيست الإسرائيلي، تؤكد أن حكومات إسرائيل لا تعير أي اهتمام للسلام العادل المنشود. ولن يكون هناك سلام صحيح وسوي، إلا إذا قام على العدل وإعادة الحقوق المشروعة لأصحابها، طبقا لما أكدته المبادرة العربية للسلام، التي لم تتجاوب معها إسرائيل حتى الآن.
