القتل بالكلمة، لا يختلف عن القتل بشخص مفخخ، ولعل من يدعون حق الحرية المطلقة يعرفون أن من أقاموا هذه القوانين وحافظوا عليها، أدركوا أن الحرية نسبية، وإلا لو أطلقت لعمّت الفوضى، والذي يدفعنا لذلك أن الوصول إلى هذه الغايات، وخاصة في الدول الديمقراطية تفترض دائماً حدوداً لقيم الإنسان وحقوقه بحيث لا تكون عرضة للتشهير أو الاعتداء، وهو ما يختلف بمسافات بعيدة عن الدول التي تقيد الحريات، وترهنها بإرادة الدولة لتصل أقسام (البوليس) وانتشار العيون التي تراقب كل شيء إلى النقيض التام للحريات التي يكفلها القانون أمام الذي ينتهكها رجل الشرطة ورأس الدولة البوليسية.

في العالم الإسلامي نقع بين تجاذبين حادين، فحين يصل كاتب، أو ناشر، أو صحافي إلى الجرأة في التعرض للدين ورموزه الكبرى من باب الشهرة والتشهير، ليأتي رد الفعل المقابل، بحكم ربما أكثر قسوة من التفريق بين الزوجين أو الغرامات التي تصل إلى حد تحويل إنسان متوسط الحال، إلى فقير معدم، وتجد الدول في حرج بين تطبيق القانون، والشرع، وبين الرأي الذي يحتج على تلك الأحكام، وهناك فارق على الاحتجاج على فساد أخلاقي ومالي، والانقياد لمهاجمة الدين وثوابته..

لقد انتفض العالم الإسلامي على الرسوم الجارحة للرسول الأعظم، ووسط الجدل جاء من يدافع عن حرية الرأي في أوروبا وأنه لا مقدس أمام أي فكر مطروح سلبي، أو إيجابي، لكنهم لا يتورعون عن سجن أي شخص يتعرض للأمن الوطني، أو يفضح أسراره..

في العالمين العربي والإسلامي وجدنا نموذج سلمان رشدي ظاهرة استغل مساحة الحرية في بريطانيا لينشر روايته (آيات شيطانية) وهي من حيث المضمون لا تقدم ولا تؤخر، ووجدنا كُتّاباً وصحافيين من بنجلادش إلى مصر، واندونيسيا، ولبنان والمغرب وغيرها، يأخذون بدوافع الشهرة إلى نفس الاتجاه، بينما هناك أمور تفرض حاجاتها كالفقر، وتساوي الحقوق، والفساد وقتل الحريات تُعتبر هَمّاّ آخر، ونرى التقاليد تقتل أي خاطئة، أو متهمة بعرضها باسم غسل العار بإعدامها، بينما المخطئ من الرجال لا يأخذ نفس الجزاء، وهذه الأحوال جاءت من ثقافة سلبية متراكمة لا زلنا نعاني منها حتى الآن..

التطرف ليس فقط بين جبهتين إحداهما تكفّر، والأخرى تصادم الموروث المقدس بإعلان الانسلاخ من الدين، ونعتقد أن طرفي الخصومة، أو الحرب هما من يفجرا المجتمعات الإسلامية، ولا ندري ما الهدف من إثارة الشعور الديني، وخاصة للعنصر المحايد الذي لم يدخل في المعركة غير الفاصلة بين المتدينين المتشددين، ونقيضهم المقابل الذي يحاول التعرض للمقدس بأفكار وآراء تدرك أن لا حرية في التسبب في الفوضى، والإرهاب الآخر..

مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تعيش صدى الأحداث، وعدم التوازن في حالات الشخصية الانفصامية، أوجد لنا ثقافة العنف وتوليده من خلال أفكار، هي في الأصل خط أحمر عند المجتمعات المرتبطة وجودياً وإنسانياً بمقدساتها وموروثها الأخلاقي، والعبث بأحاسيس المجتمعات هو الخطر الأكبر من أي جور آخر..